سالم بن حمد بن سليمان الحارثي
توفّي ١٤٢٧هـ · ٢ كتابًا في المكتبة
ويُعرَف بـ: سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي
سالم بن حمد بن سليمان بن حميد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن عيسى بن صالح بن عيسى بن راشد بن سعيد بن رجب بن غانم بن مسعود بن حسين بن شوال بن خاطر الحارثي
يعود نسبه إلى الحارث بن عبد المطلب الهاشمي القرشي .
يقول الشيخ العلاّمة المؤرخ سالم بن حمود السيابي: ( وممن ينتسب إلى قريش بعمان آل صالح بن علي بن ناصر بن عيسى بن راشد بن سعيد وأبناء عمهم آل حميد ، ومنهم الآن أولاد سليمان بن حميد وآلهم ، ومركز زعامتهم في هذه السنين الأخيرة في القابل ، ولهم السيادة على آل الحارث بن كعب بن اليحمد، ومن انضمّ إليهم من بادية الشرقية ).
ولادته:
ولد الشيخ العلاّمة سالم بن حمد الحارثي في الرابع من ذي القعدة سنة 1351هجري ، الموافق 1932م ، في قرية المضيرب ، بالمنطقة الشرقية بعمان.
نشأته وتعليمه :
عاش في كنَف والده الشيخ حمد بن سليمان، الذي اكتسب منه كل معاني الخير والمجد والتطلّع إلى الذروة العالية في العلم والعمل، ولم يدَّخر الوالد وُسْعاً وطاقة في كلّ ما من شأنه أن يجعل هذا الولد ناشئا في حبّ العلم والتحلّي بمكارم الأخلاق ، لاسيما وأنَّ والده رأى في منامه رؤيا تدل على أنه سيرزق بمولود يكون عالماً ذا شأن ومنزلة ، واستبشر الأب بهذا ، وراح بكل الوسائل يعمل على أن تحوّل هذه الآمال إلى حقيقة.
كما درس في نزوى في عهد الإمام الخليلي - رحمه الله - على يد المشائخ: سعود بن سليمان بن محمد الكندي ويزيد بن الوليد البوسعيدي وسالم بن سيف البوسعيدي وسعود بن أحمد الإسحاقي وغيرهم .
ومكث ثلاث سنوات حتى حنّ إليه والده شوقاً وأرسل إليه كتابا يقول فيه:" إلى الشيخ الولد النزيه الكامل المجتهد سالم بن حمد بن سليمان ، دام بخير حال وصحة وسلامة ، سلام عليك ورحمة الله وبركاته ، أبوك وإخوتك وأمـُّـك وأهلك وكافة العائلة بخير حال ولله المنة .
أسأل الله الكريم الرحمن الرحيم أن يلهمك علما نافعا ويوفقك على طاعته ومرضاته ، ويكمل سوابغ نعمه ، ويكشف لك من خزائن علمه ، ويجعلك ممّن اتَّبع من القول أحسنه ، إنه كريم ورحيم .
وصلني كتابك الكريم وفهمته ، وسرَّني اجتهادك بارك الله فيك وفي سعيك ، والكتاب الذي ذكرت إرساله على طريق سناو إلى المساء لم يصلني ، ولا أدري على يد من أرسلته ، ويحتاج أن تبحث عنه إن كان عليه حاجة ، وكذلك كتاب الولد صالح لم يصله ، ولا الكتاب الذي ذكرته من الشيخ بدر بن سيف ، وأقول إنه وصلنا كتاب من الإمام أنه على عَزْم التوجه إلى هذه الديار ، أهلاً وسهلاً بقدومه ، وقد بدا لي أن أرسل لك رسولاً بيده ناقتي للوصول إلينا ، كون الإمام غير حاضر بنزوى ، وأحبك للعيد أن تكون قريباً والأيام طوال إذا أحببت الرجوع ثانية ، والـرِكَاب ( الإبل ) حاضرة .
وفقك الله وأعانك ، وإني على بركات الله وحسن توفقيه نرجوك ، جمعنا الله بك على خير الأحوال ، وإلى اللقاء وعليك السلام ، وعلى المشائخ السيفي ، وبدر بن سالم بن سيف ، ومن أردت له ، ومن هنا أجمع ، وذلك من أبيك حمد بيد 28 ذو القعدة 1373هـ" .
ومن أساتذته أيضا الشيخان ناصر بن سعيد النعماني وناصر بن حميد الراشدي، وإليهما يشير في بعض أجوبته الفقهية :
أيا ســائلاً قـــد جاء والوقــــت في سمَرْيسائلُ عمّا جــــــاء في مــجمــــل الأثرْ
زميـــــل بــــقي مــــن بعـــــد فَقْد أحبتيوقــــــد كــــــانَ في عقــــد ولكنه انبترْ
فنــــاصــــرنــــا والناصرُ الثّـــــاني بعـــدهوإخوانُ صِدْق جَمْعُهْم كــــــان كالقمرْ
تـــــولَّوْا وذكـــــراهـــــم بقــلبيَ شـــــامـــــخويعقوبُ يعقوبٌ علـــــى إثـــــر من غَبَرْ
وممن كان له الأثر في تعليمه الشيخ حمد بن عبد الله السالمي ومن رسائله له : " كتاب بيان الشرع جزء الميراث، عسى أن تجده في الكتب، وهنا عندي "الخزائن" ضخم جامع، الحاصل عند وصولك تجد مطلوبك كله إن شاء الله، وكذلك "المنهج" عسانا نجده في الكتب المذكورة، والله يعين طالب الخير ويوفقه على مراده، والله ولي التوفيق " .
وفي رسالة أخرى يقول الشيخ سالم بن حمد لشيخه :" أريد أن ترسل لي الجزء الثاني من المعارج فإني إليه لمشتاق كحاجة الضمآن إلى الماء".
وفي رسالة أخرى يخاطبه الشيخ حمد السالمي قائلاً :"التاج واصل إليك بيد رسولك فاحتفظ عليه، وعلى الكتب السابقة وأنت لا تحتاج إلى تحريض على ذلك ".
كما أقام الشيخ سالم بن حمد الحارثي مدّة عند الشيخ العلاّمة خلفان بن جميّل السيابي بسمائل، اغترف من بحر علمه كثيراً ، ولـمّا رحل عنه إلى الشرقية استمرّ في مواصلته لشيخه بالرسائل ومن ضمنها :
( بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ، حضرة شيخنا العلاّمة الأجلّ خلفان بن جميّل السيابي أبقاه الله وعافاه سلام عليك ورحمة الله وبركاته ، وإني أحمد الله وأشكره على كل حال في صحة وعافية ، أرجو أنك في خير الأحوال ، وبعد:فقد وصلنا كتابك وسررنا بصحبتك وعافيتك كثيراً ، لا عدمناك عوناً وصوناً ، وجواب الأسئلة استفدنا منها كثيراً، فتح الله لك الأقفال ، وحلَّ لك الرموز والإشكال ، ورزقنا مثل ذلك ، أمَّا عن الكتب فسوق العلم كاسدة معنا ، والأمر لله وحده ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، بلدتنا بلدان بدْو ، ولا أقدر أن أقول أيها الشيخ أرسل لنا فنجعلها منضّدة ، ومتى رأيتُ طالباً لذلك عرّفتُك إن شاء الله ، وبودّي، والله عونك وعون كل مسلم ، لاسيَّما في مثل هذه الخصلة الجليلة القدر ولكن ،أمّا الخاصّة الذي له إلمام بهذا الفنّ فقد تحصّل على ذلك من الخارج ، منهم بالشراء ومنهم بالهدية ، وهنا عندنا ما يناهز العشرين نسخة من "جلاء العمى " " وبهجة المجالس" ، هذا ما لزم بالحال ، ومهما حاجة أو غرض شرّفنا بذلك ، ودم سالماً ، وعليك السلام ،وعلى الأخ القاضي ، وعبد الله وأولاده ، وسيف وإخوته وأولاده ، وغسّان ، من الوالد والأعمام والإخوة ) .
11صفر1384هـ من ولدك العبد سالم بن حمد
ومن رسائل الشيخ العلاّمة لتلميذه :
( أيها الشّيخ الولد سالم بن حمد ، إني أرى كتبك انقطعت عني زمانا ، فلا توحشني بمثل هذا ، وأمّا أنا فلو انقطعت كتبي عنكم زمانا ، فما ذاك إلا لكثرة الاشتغال ، وقلّة الصحة وكثرة الإهمال ، وعدم المساعد المعاضد ، فهذه علل ترادفت عليّ والله المستعان، واعلم أنني أحبّك كثيراً ، لكونك دَيّناً وللعلم طالباً وفيه مجدّاً راغباً ، ومن كان كذلك فأنا كثيراً أحبّه ، وأعلُم غالب أشغالكم القيظية في هذا الوقت قد انقضت ، وإني أحبّ رجوعك إليّ لأنفعك وأنتفع بك ، وتساعدني على نشر العلم ، وأعدّ هذا منك منّة كبيرة ، واعلم أنّ شرح ميمية الدماء " قد نجز ، وهو يحتاج إلى تبييض وتنقيح ، وذلك يحتاج إلى مساعدة في النسخ مع الولد الرشيد, والمساعد لا يكون إلا مثلك ، فأرجوك أرجوك أرجوك, والوقت ملائم لا حرّ ولا قرّ ، وسلامي الكثير عليكم ، وعلى والدك أخينا العزيز ، والشيخ الصالح ، والشيخين ابني حمد بن حميد ، والشيخ النعماني ، وكافة الأصحاب والطلبة ، من هنا الأولاد سيف ورشيد وعبد الله ، أمّا محمد القاضي فهو بمحلّ قضائه والسلام ختام ).
وهذه رسالة من الشيخ سالم بن حمد لشيخه:
( حضرة سيدي العلاّمة الوالد خلفان بن جميّل السيابي أبقاه الله وعافاه- سلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ولدك بعافية يتمنى أنك في صحة ومسرّة ، ولا علم عندنا والحمد لله ، وبعد فإني في تحسّر وتلهّف على انقطاع كتبك عني, فأرجو أن لا يكون ذلك لذنب صدر مني ، وأعوذ بالله من هجرانك ، وأستغفر الله وأتوب إليه مما فرط مني في حقه وحقوق عباده ، وإني معترف بذلك ).
فأجابه:
( إلى جناب الشيخ الفاضل الولد العزيز الأرشد سالم بن حمد بن سليمان الحارثي ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، محبك المحب لك كثيراً ،ومقدّرك تقديراً ، والراضي عنك ولاية ، والقريب إليك لبّاً وروحاً ، وإن كان بعيداً عنك جسماً وشبَحاً ، ولعهدي بك وأمثالك ، والعُرى الوثيقة التي لا يقطعها انقطاع مكتوب في قرطاس ، وإنما العمل على ما في القلوب وهو مثمر الغراس .
أنت ولدي عزيز لديّ ، لا تدخلك وحشة ، ولا تلهّف في انقطاع بياني عنك ، لأنك تعلم ضعف حالي وشيبتي ، ومحالفة الحمّى والأمراض لبدني ، أنت عندي على البال وإن انزعج ، لا هناك قِلى ولا هجران ، ولا تناسٍ ولا نسيان ، والمحب عذّار فاقبل عذري ، يا ولدي أنت أعز الأحبة إليّ ، ولا تظن بي إساة ظنّ بطلبة العلم ، وخصوصاً أمثالك ، بل أنا محبّ للجميع عموماً ، وطلاب العلم خصوصاً ، والعامليــــــن المجتهدين ، مجدّي الطلب أمثالك أخصّ الخصوص هذا لتعلم والسلام .)
سمائل 1385هـ
وفي رسالة أخرى له:
( وسابقاً ما سكتُّ عن جوابك جفاء ، ولا استخفافاً بحقك ، ولا لسوء ظن فيك ، معاذ الله من ذلك كله ، ولكن ذلك مبلغ الجهد مني في ذلك الوقت, لأنني لا أعلم المسألة تحقيقاً ، ولا خير في التكلّف ، وقد علمت ما جاء فيمن أفتى بغير علم ، والناس يظنون فيّ فوق ما أعلمه من نفسي ، فيا الله عفوك ، مع أنني في ذلك الوقت لست فارغاً لمطالعة الأثر ، والآن هذا ما تيسر من القول على أسئلتك ، وأكثره نقل من آثار العلماء ، فخذ بما بان لك حقه ودع ما سواه ، والله يهدينا وإياك وجميع المسلمين المبتغين وجه الله إلى ما فيه رضاه ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ).
وهذه رسالة أخرى :
( إلى الشيخ الثقة الولد الرضيّ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي ، أبقاه الله معافى سالـماً, ســـلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، إني محبك بخير ، أحمد الله على نعمه وفضله .
لا زلت بعافية وافية ، ما هنا من علم إلا الخير ، أما بعد : فكتابك الكريم المؤرخ في 12 ربيع الأول وصل وفهم محبك ما ذكرت ، والعذر ثم العذر بعدم المكاتبة ، وقلة المعين ... ما ذكرت من وفاة الشيخ أحمد بن حمدون علمت ذلك وساءَني كثيراً ، حيث أنه بقية أهل الفضل ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، لكم فيه حسن العزاء ، وعليكم بالصبر الجميل ، واصلك أجوبة مسائلك ...والله يهدينا وإياك ويوفقنا إلى موجبات رحمته ورضوانه ، ويمنّ علينا بالعفو والعافية ، إنه كريم رحيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم 25 ربع الأول 1385هجري )
وقد أرسل الأستاذ بعض مؤلّفاته إلى تلميذه فسُرَّ بها غاية السرور وخاطبه بقوله:
حضرة شيخنا العلاّمة العمّالة الرضيّ خلفان بن جميّل السيابي أبقاه الله وعافاه ، سلام عليك ورحمة الله وبركاته ، وإنا نحمد الله ، ونشكره على كل حال في صحة وعافية نرجو ونتمنى لك مزيد الخير ودوام النعمة في الدارين أما بعد :
ففي أبرك الساعات وأسعد الأوقات ، تناولنا كتابك الكريم مع الكتابين الجليلين ، فلقد تلقيناهما بالقبول وجعلنا وفوضنا جزاءك على الله الكريم, لا عدمك الإسلام وأهله ، ولقد حلّينا بهما المجالس قراءة ودرسا ، جزاك الله خيراً ، وعوّضك أجرا ، ونفع بهما المسلمين ، وبجميع كتبك الثمينة آمين ، هذا وقد وصلنا من ذلك نسختان ، وبلغني أن الوالد صالح أمسك معه واحدة ، إذ هو بمسقط يعالج ، وتبلغ الأخ أحمد بن عبد الله واحدة إن شاء الله حسب أمرك .
هذا والأمل المواصلة مع الإمكان ، ومهما حاجة أو غرض البيان ، والسلام عليك وعلى القاضي ، والوالد عبد الله ، وغسان وسيف وإخوته ، منّ هنا الإخوة والأولاد من محبيك حمد بن سليمان وولده سالم بن حمد في ليلة 24 ذي القعدة 1383ه .
وإذا طالت الغيبة من التلميذ حنّ إليه شيخه وأرسل إليه :
( وأقول هل تزورنا فإنا مشتاقون إليك ، وقد طالت المدة ، وقد عودتنا عادة فأراك قطعتها ) .
وهكذا اكتسب الشيخ الحارثي مكانة علمية بارزة لجدّه واجتهاده في تحصيل العلم وكأنّ لسان حاله يقول :
أأبيت سهران الدجى وتبيته نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي
مؤلفاته :
ترك الشيخ سالم مجموعة من المؤلَّفات الفقهية والتأريخية والأدبية وهي:
1ـ العقود الفضية في أصول الإباضية .
2ـ المسالك النقية إلى الشريعة الإسلامية .
3ـ ديوان الحارثي .
4ـ النخلة .
5ـ المضيرب .
6ـ الشهاب الثاقب .
7ـ الرقية .
8ـ الدرّ الفتان في صحيح الناجية من الأديان .
9ـ روضة المستبصرين .
مكانته العلميّة:
لقد نال شيخنا الحارثي مكانة علمية مرموقة بشهادة الخاص والعام ، ولا أدلّ على ذلك ممّا كتبه عنه مشايخه وأقرانه وغيرهم ممّن أنصفوه ومنهم:
ـ الشّيخ العلاّمة إبراهيم بن سعيد العبري:
قال فيه :
"الولد الشاب الصالح الشّيخ المجتهد الواسع الاطّلاع سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي العمانيّ ، قد تصدى لهذا الشأن وكفانا مؤنة التكليف لهذا التأليف ، في كتاب واسع جامع ، سماه " العقود الفضية في أصول الإباضية " ، وقد أطلعني عليه ، فاطّلعت على غالبه ، فوجدته وافياً بالمقصود ، غير مخلّ بشيء من المطلوب والمنشود ، جامعاً لما يراد جمعه من القواعد والفرائد والفوائد ، وذِكْر رجال المذهب من المتقدمين والمتأخرين أئمة وأعلاماً وملوكاً وسلاطين وأبطالاً وأساطين ، وقد التزم الأدب والاحترام في حق أصحاب النبي ـ عليه الصّلاة والسلام ـ كما سلك طريق العدل والإنصاف في ذكر الفتن والخلاف ، وهنالك وقف واستوقف ، وحقق في موضوع البحث وأنصف ، وبالجملة فإن هذا المؤلف يغني عن غيره في بابه ، ولا يغني عنه غيره في إسهابه ، بارك الله في سعيه واجتهاده وهدانا وإياه إلى سبيل رشاده ، وجزاه الله عنا وعن عامة المسلمين خيراً تاماً عاماً في الدنيا والآخرة ، والحمد لله على ما أنعم" .
سماحة الشّيخ العلاّمة أحمد بن حمد الخليلي ـ المفتي العام للسلطنة :
قال فيه :
"العلاّمة الجليل أخينا الصالح سالم بن حمد الحارثي .. كشف حقائق هذا المذهب ما أرخى عليه الزمن ستوره ، وأبرز من خباياه ما لم يصل إلى أدمغة الجمّ الغفير من طلاّب الحقيقة ، فجزاه الله عن جهده الواسع ، وعمَّا قدمه لأبناء الفكر الحرّ والرأي المنطلق أحسن جزاء ، والله المسؤول أن يقيّض دائماً لأمة محمّد ـ r ـ من ينافح عن كيانها ويدافع عن حريمها" .
1ـ الشيخ العلاّمة حمد بن عبد الله بن نور الدين السالميّ:
قال فيه :
"وإني والله لأتوسّم فيك أن تكون الخليفة للمسلمين ، إمّا إماماً عادلاً أو شيخاً في العلم جليل القدر ، حقق الله ظني بك" .
2ـ الشّيخ العلاّمة محمّد بن شامس البطاشي:
قال فيه :
" أمضى حياته في خدمة العلم ، ولم يشتغل إلا بنشر العلم ودراسته ، وقد ضرب في طلبه أكباد الإبل ، أخذ عن الشّيخ العلاّمة عيسى بن صالح ، والإمام الخليلي ، وجملة من علماء عمان ، واتصل بعلماء الجزائر ، وأخذ عنهم ، فهو اليوم من أفضل أفاضل عمان ومـــــن أعيــــانها علماً وورعاً ونبلاً ، لا همّ له إلا تحصيل الفواضل ، ولا شغل له إلا تدوين العلم الشريف " .
وقال عنه في موضع آخر:
وابن عبيد وأبو زيد الأتمْوسالم بن حمد البَرّ العلَمْ
وغيرهم من علماء قادةقاموا لنشر العلم والإفادة
3ـ الشّيخ العلاّمة سالم بن حمود السيابي:
قال فيه :
" من أفضل رجال هذا القرن ، وأكمله علماً وزهداً وفضلاً وتقى ، وإنه لمن ترجو به الملـّــــــة الإشراف على أوراق اعتمادها ، وتأمل فيه إقامة أعمدة رشادها ، وإنه من العباقرة الأفذاذ " .
6 ـ الدكتور إيرك جروف:
"قوّته تكمن في هدوءه ، وهو رمز لحضارة عريقة" .
7 ـ الدكتور الفيرد ناب:
"مكانين ارتحت لهما أثناء زيارتي لعمان أحدهما المقابلة التي تمت معه" .
8ـ البروفيسور هوفمان:
"الشّيخ سالم بن حمد الحارثي ، بحكم تعليمه وخلفيته يمثّل تواصلاً واستمرارية لتقاليد ، وامتدادا لمدرسة آخر مرجع ديني وهو نور الدين السالميّ" .
وفاته :
توفّي الشيخ رحمه الله ظهر الأحد 2/4/1427هـ الموافق 30/4/2006م .
بعد معاناته من مرض أليم يرفع درجته أجرا وقربة بمشيئة الله،وقد رثاه مجموعة من الأدباء، أظهروا من خلال ذلك عظم المصاب ومكانة الشيخ في المجتمع والمنزلة العلمية التي تبوّأها.
وممّا قلته في رثائه :
" المصابُ الجَلَل " .
زُلْزلَ صَـــــرْحُ العلْــــــــم حتى انقــــضَّاوقَـــــدْ هَـــــوى بَعْدَ الشُّموخ أَرْضَا
وأَفَلَ البَدْرُ الذي بـــــه اهْتَــــــــــــــدىمَنْ كان قَصْـــــدُهُ الطَّريق الأرْضى
وانْطَفَأ النُّــــــورُ الـمضــيئُ حقْبـــــــــةقَدْ شَــحَّ في هـــــــذي البلاد وَمْضَا
وجَـــــفَّ بَحْـــــرُ العلـــــــــم في آذيـّــــهبَعْـــــــدَ التْطــــامٍ حيـــــنَ مَدَّ فَيْضَا
وانْقَشَعتْ سَحَائبُ الفَضْل فَــــــــــلاتُرْوى العطاشُ بَعْـــــــــدَ ذاك بَرْضا
هذي المناياُ أُحْكِمتْ أَحْكامُهـــــــــاكالسَّيْف فينا بلْ نَـــــراهـــا أمضى
نَفْتَقــــدُ الخِــــــلَّ وَمـــــَاَ نــــأْبَـــــــــــهُ في مَا قَدْ جَرى في الأمْر حيـــنَ يُقْضى
فَسَــــــار في ذا والــــــــدٌ وَوَلـــــــــــــــدٌ كَــــــذا أخٌ أدّوْا بــــذَاك فَــــــرْضـــا
في كل يوم صَار يُنْعَى صَـــــــــاحــــبٌومَا ادَّكـــــرنا يا أُخــــــيَّ بَعْضََــــــــا
قفْ بي قليلاً إنَّ نَعْي العلْــــــــم قَــــــــدْأَوْقَفَ عَنْ قلـــبيَ منْهُ النَّبْضــــــــــــا
حيــــــنَ نَــــــعى سَـــــــالمنا ابْنَ حَمَــدشيـــــخَ العُلـــــوم الحَارثيَّ الأرْضى
ذا شَيْـــبــــةُ الإســــــلام قَــــدْ حَلَّ بــهدَاءٌ عُضَــال للمنــــايـــــــا أفْضـــــى
أَسْـــــــرَعَ فيه مثْــــــل إسْــــــــراع لَــــــــهُفي طَاعَـــــة الـمــوْلى انقياداً مَحْضَا
بقيّــــــةٌ مــــــنْ سلَـــــف كـــــــــانَ لَهُــمْسجــــلُّ خَيْـــــر بالمعـــــالي اْبيَضــَّا
ومَــــرْجـــــع حيَـــــــــنَ دَهَتْ أقْضيــةفَضَّ عــــــويصَهــــا بعـــــــدْل فَضَّــا
مـجــلسُــــــه للعــــلـــــم لا تَـــــــلْقى بـــهحديثَ لغْو أَوْ هنــــاكَ فَــــــــوْضى
يـــــرتـــــــادُه الطــــــــــلاَّبُ في نهـــــــارهكــــــذاك في الليـــــــل تَـــــــــراهُ أيضا
مســـــائـــــلٌ تنــــــوَّعتْ أفنـــــانُهــــــــــايَعْرضُها ابتغــــــا لبــــــحث عَرْضا
متَّبــــــع نَهْجَ الأُولى في هَــــــدْيـــــهـــــــمْوواطئ آثــــارهـــــم إذْ تُـــــــرْضى
يَقُصُّ منْ سيـــــرتـــــهـــــم مَـــا عُطِّرتْمنـــــــه الدُّنا وأَزْهَــــــرُوها رَوْضا
أفــــنـــــى جـــمــيـــــعَ عُمْـــــــره مُبتغياًللعلْــــــملا يَــــــذُوق عَنْه غُـــــمْضا
مكــــتبــــة مــــمــــلــــؤة رفــــــوفُهـــــــافي جَمْعها ستـــيـــن عــــاماً أَمْضَى
فكــــم بهــــا مـخطـــوطــة قَدُ طُرِّزتْمن غيـــــــره وخَــــــطـَّ منها البعضا
صــــارَتْ بـــــذا للباحثيـــــنَ مـــرجعاًوالـــــدارسيـــــنَ إذْ تـــمـُـــدُّ فَيْضا
فالفقـــــهُ فـــيهـــــا سُطَّــــرَتْ آثـــــــــارُهأكـــــانَ نثــــــراً جـــــامعــاً أَمْ قَرْضا
جـــــــزاهُ ربَّـــــي خَيْــــرَ مــــــا يُجْزَى بهسَـــــاعٍ لـــخيـــــر للإلـــــــه أَرْضَــى
ثُوْبُ التُّــــقـــــى لبــــــــاسُـــــــه في عفَّــةلا دَنَسٌ فيــــــــه وطـــــــابَ عِرْضا
وهُــــــوَ وضيــــئ الــــوجـــه من إيـمانـهملتزم للحقّ يَقْلُ الأَمْضَـــــا
وهــــــو شــــريـــــــفُ نسَبٍ في قـــومـــهمن أسرة بالمكْرمَات ترضى
حَلُّوا مقامـــــاً شـــــــامخــــاً بـــيــــن الملاواكتسبُــــوا الثنـــــاءَ منهم مَحْضا
طاب امـــــــرؤ قضَّى الحياةَ طـــــــائعــــاًلله مــــــا ابْـــتـــغى لعهــــد نَقْـــــضا
يا ربّ فاغفــــــــر للفقيــــــد حُــــــــوبَـــهوقبــــرَهُ اجْعَــــلْ يــــــا إلهي رَوْضا
وألْهــــــمِ الصَّبْــــــــــرَ ذويــــــــــه كلَّهـــــموالمسلميــــــنَ ، إذْ لَهُــــــمْ قَدْ مَضَّا
واختمْ لنــــــا بالــــصالحـــــــات وأَنــــــــرْقلــــوبَــنـــا ومُــــدَّ منـــــك فيْـــــضا
صـــــــــلاةُ ربـــــــي لـمـــعــــَتْ أنـــوارُهاللمصطفـــــى والآل جمعــــاً تُمْضَى
وصحبـــــه مَـــــن نـــــاصَرُوا لــــدينـــــهوالتابعيـــــنَ والــهــــــداة أيــــــضــــا
كانت له سيرة عطرة في المجتمع ، وحياة علمية وعملية حافلة بالعطاء الحيوي المتدفق ، وسجلّ ناصع في القضاء .
أهّله له المكانة الاجتماعية المرموقة وتسلُّحه بعلم الشريعة فقها وأحكاما .
يقول الشيخ العلاّمة سعيد بن خلف الخروصي :
"وقد تولى الشيخ سالم بن حمد بعد ذلك القضاء في ولاية القابل واستمر في القضاء طول حياته ، وكان عضواً في لجنة الاستئناف ، نشأ طالباً للعلم ، قارئاً وكاتباً ومدرّساً إضافة إلى توليه مهام القضاء .
وكان في الشرقية هو القاضيَ وهو المصلح وهو المرشد ، وفيما بلغني أن هاتفه لا يهدأ من أسئلة المسترشدين ، وقد ترك في الشرقية ثلمة كبيرة لا يسدها إلا مثله ، ولا يوجد وقد تواصلت مع الشيخ سالم بن حمد رحمه الله في قضايا الاستئناف وكنا نتبادل الزيارات لمدة طويلة ".
ويقول الشيخ حمود بن عبدالله الراشدي أحد كبار القضاة في المحكمة العليا حاليا حول ذلك : ( الذي ميّز الشيخ سالم بين أفراد سلك القضاء أمران أحداهما غزارة علمه واطلاعه الواسع وحفظه لمسائل الأحكام ، فكان مرجعاً في كل ذلك ، والأمر الآخر : هو حبه لمبدأ الصلح بين المتخاصمين ، وسعيه لإقناع الأطراف المتخاصمة بالتصالح والتراضي ) .
والقضاء مهمة شريفة ، ولكنها حمل ثقيل وعقبة كؤود ، قال أحدهم :
وَلِيتُ القضـــــاءَ ولَيــــْتَ القضــاءلـــــم يــــــــك شيـــــــئا تـــــوّليتـُـهُ
وقــــــــد جــــرّني للقضــاء القضا ومــــــا كنـــــت قـِـــــدْمـًـــا تمنيتُه
يقول شيخنـــــا الحارثي ـ رحمه الله ـ :"ابتلينـــــا بالقضاء وابتـــــلي القضــــــاء بنــــــا ، والله المستعــــــان ، أســـــأل الله حســـــن الخاتمة والتسديد في الأقوال والأفعال إنه ولي كل خير" .
وقال في كلمته المعنونة بـــــ " كلمة حق " في هذا المجال :
( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (الرَّحْمَنُ{1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ{2} خَلَقَ الْإِنسَانَ{3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ{4} الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ{5} وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ{6} وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ{7} أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ{8} وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) والحمد لله على ما أنعم علينا من العقول والأحلام ، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الــــــذين بـــــذلوا النفس والنفيس في خدمة الإسلام ، وأقاموا العدل بالقسط بين الأنام.
أمّا بعد : فليتق الله كل حاكم من الحكام ، وليخف جباراً آخذا بالنواصي والأقدام ، تصعق من خيفته الصواعق ، وترتعد من فَرَقه المغارب والمشارق ، تضرع إلى جميع الخلائق, فإنه لم يقم الكون من حاجة ، ولم يخلقه عبثاً ولا لحاجة ، وإنما قدّر لعبده القدرة, محضا منه وخيره, فابتدأه من نطفة, ثم هدى إليه لطفه, وحدَّ له حدّه وعرّفه ، فمنهم من شكر وقام لله بما أمر ، ومنهم من نسي الله وتجبر ، فليتق الله عبد بالله عالم ، وبسلطانه قائم, أن يراه غالبا على سلطانه عاصياً له فيما استحفظه الله من حقه .
بلغنا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لأبي ذر ـ رحمه الله ـ وقد طلب الإمارة : ( يا أبا ذر إنك ضعيف ، وهي أمانة ، وهي يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها ) ، ووقف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بعض الصحب ، فقال :"إني لا أدري لعلكم ستلون أمر هذه الأمة من بعدي فمن ولي من بعدي من أمر المسلمين شيئاً فاسترحم فلم يرحم وحكم فلم يعدل وعاهد فلم يف فعليه غضب الله ولعنته إلى يوم القيامة" ، وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( ما من والٍ يلي على عشرة إلا أتي بي مغلولاً يوم القيامة حتى يوقف على جسر من جسور جهنم ، وملك آخذ بقفاه, فإن كان عادلاً نجا وإلا انخسف به الجسر في جُبّ أسود مظلم يهوي فيه سبعين خريفاً معذباً ) ، وقال الله تعالى : (يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ، وقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)
هذا والمتتبع للسيرة القضائية للشيخ الحارثي تتبين له عدة أمور تستخلص من خلال عمله في هذا المجال :
1ـ البعد عن الشكليات والرسميات والأخذ بالبساطة في الأمور .
2ـ الميل إلى الصلح وحلّ القضايا ودّيا.
3ـ القضاء في عويصات المشكلات ودقائق القضايا.
4ـ الأخذ بالحزم في مواطنه.
5ـ التسبيب في الأحكام على حسب ما يقتضي الحال من غير تطويل مملّ أو اختصار مخلّ.
المصادر :
•رسالة بخط يد الشيخ العلاّمة سالم بن حمد الحارثي ، توجد بمكتبته .
•السيابي، سالم بن حمود، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان
•ابن رزيق ، حميد بن محمد بن رزيق " الفتح المبين في سيرة السّادة البوسعيديين" ،436.
•الحارثي، د. عبد الله بن سالم بن حمد ، سالم بن حمد الحارثي ـ ذكرى بنوة لأبوة
•الموسوعة العمانية ص1691
•السيابي، عبدالله بن راشد ، الشيخ سالم بن حمد الحارثي فقيها وقاضيا
نقلا عن:
كتاب: معجم القضاة العُمانيين
تأليف: د.عبدالله بن راشد بن عزيز السيابي
رقم العَلم: 133
----------
سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي
الشيخ العلامة الجليل سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي
هو الشيخ العلامة الجليل سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي، ولد ببلدة المضيرب بولاية القابل في الرابع من ذي القعدة سنة 1351هـ من أبوين كريمين ، والبيت الذي ينتمي إليه تعاقب عليه جملة من أهل العلم والفضل وعلى رأسهم جده الأول الشيخ راشد بن سعيد بن رجب الحارثي الذي عاش في صدر دولة اليعاربة وولي القضاء في إبراء ،.
البداية الحقيقية لمسيرته العلمية كانت سنة 1363 هجرية حين شرع في تلقى العلم على يد الشيخ ناصر بن سعيد النعماني الذي ظل ملازما له حتى وفاته وقد تشرف بزيارة الامام محمد بن عبدالله الخليلي عام 1370 هجرية وبقي ملازما لأهل العلم بنزوى كالشيخ سعود بن احمد الاسحاقي والشيخ سالم بن سيف البوسعيدي ثم عاد إلى المضيرب لكي يواصل تعليمه مع استاذه الشيخ ناصر بن سعيد النعماني .
وبعد ان نال حظا وافرا من العلم رحل إلى سمائل ليحط رحله إلى جوار الشيخ العلامة خلفان بن جميل السيابي رحمه الله وبقي ملازما له لمدة عام تقريبا كما انه قبل ذلك وبالتحديد عام 1370 هجرية سافر إلى زنجبار بصحبة والده والتقى بالكثير من أهل العلم كالشيخ احمد بن حمدون الحارثي وعمه الشيخ عبدالله بن سليمان الحارثي وبعض أهل العلم من غير العمانيين كالشيخ عبدالله بن صالح بن شوين الحضرمي من اليمن والشيخ الاستاذ محمد محمد الدهان من مصر الذي اعتنى بطبع الكثير من الكتب والمخطوطات والشيخ احمد بن سميط الحضرمي من اليمن ايضا. كما زار الشيخ نزوى مرة اخرى بعد وفاة الامام الخليلي وجالس جملة من العلماء كالشيخ احمد بن ناصر السيفي والشيخ سفيان بن محمد الراشدي والشيخ زاهر بن عبدالله العثماني. ومن جملة العلماء الذين جالسهم الشيخ العلامة سيف بن حمد بن شيخان الاغبري وفي عام 1380 هجرية صاهر الشيخ سالم بن حمد شيخه حمد بن عبدالله السالمي وصار من خواص تلامذته ولازمه ببلدة الظاهر من ولاية بدية واستمر التواصل بينهما بعد ذلك حتى وفاته رحمه الله .
ولا تغيب عن البال رحلة الشيخ وباعه الطويل في جمع المخطوطات وتحقيقها ونشرها باعتبارها رافدا علميا لايمكن بأي حال من الاحوال الاستغناء عنه وباعتبارها موروثا حضاريا يجدر بأبناء الجيل المحافظة عليه والسعي بخطى حثيثة لنشره وتحقيقه وجعله في متناول الجميع ليعم نفعه. ولا يعزب عن بال أحد أن عمان بلد عريق احتضن الألوف من أهل العلم والفضل في مجالات شتى منذ صدر الإسلام الاول وليس ادل على ذلك من كون اول كتاب عرف في تاريخ الاسلام هو كتاب الديوان للامام ابي الشعثاء جابر بن زيد اليحمدي الازدي العماني رضي الله عنه وفي تصريح لصاحب السمو السيد فيصل بن علي اَل سعيد رحمه الله عندما كان مستشارا لجلالة السلطان لشئون التراث فإن عدد المخطوطات العمانية الموجودة حاليا يقدر بما لا يقل عن 30 ألف مخطوط مع العلم بأن المكتبة العمانية على مر القرون مرت بالكثير من المحن التي سطرها لنا التاريخ وأدت إلى تلف وفقدان وضياع الكثير من أمهات ونفائس الكتب العمانية التى تشمل بعض الموسوعات العلمية ككتاب الكفاية وكتاب الخزانة وكتاب الاشياخ وغيرها من الكتب أضف إلى ذلك أن الكثير من عامة الناس ممن ورثوا تلك الكنوز أبا عن جد لم يعرفوا لما ورثوه قدره وإنما أهملوه وتناسوه بل وصل الحال عند بعضهم إلى رمي تلك المخطوطات او حرقها او دفنها علما بأن الكثير منها لا توجد منه سوى نسخة واحدة يتيمة بضياعها يضيع الجهد الذي كرسه صاحبه فيها سدى. وعن انتشارها لم تكن ثمة وسيلة لتداول الكتب سوى النسخ باليد وقد كان ذلك في بلادنا إلى عهد قريب. والشيخ سالم بن حمد الحارثي ممن عاصر تلك الحقبة.
وفي لقاء سابق لـ(الوطن) مع الفقيد قال: (كان نسخ المخطوطات وجمعها وتحقيقها هماً يؤرقني ويذهب عني النوم) وقد كانت البداية عام 1370 هجرية تقريبا حين نسخ اول مخطوط ولا يزال هذا المخطوط بحوزته وتتمثل رحلة الشيخ مع المخطوطات في النسخ والجمع والتحقيق والاخراج والنشر. ويجدر بنا ان نشير إلى ان الشيخ سالم بن حمد الحارثي يمتلك مكتبة ضخمة تحتوى على الاَلاف من المخطوطات التي بذل الطارف والتليد في جمعها والاعتناء بها. كما اشار الشيخ إلى انه نسخ جملة من الموسوعات الفقهية المطولة فعند ملازمته للشيخ خلفان بن جميل السيابي نسخ ما لا يقل عن خمسة عشر مجلدا من كتاب المصنف وغير ذلك الكثير والكثير وكما أشرنا لم يكن يومها للكتاب العماني حظ من التحقيق والطبع الا قليلا ونعني بذلك الكتب التي تعد بالأصابع والتي أرسلت إلى بعض الدول العربية التي بدأت تظهر فيها المطابع التي بدأت بالطباعة الحجرية ثم اخذت في التطور وقد قام على ذلك بعض المحسنين وأهل الخير. ومن اوائل الكتب العمانية التي نالت حظ الطبع بعض اجزاء كتاب قاموس الشريعة التي طبعت في المطبعة السلطانية التي أسسها السيد برغش بن سعيد بزنجبار والجزء الثالث من شرح مسند الامام الربيع بن حبيب للامام نور الدين السالمي الذي طبع على نفقة السلطان فيصل بن تركي.
وبالنسبة لجهود الشيخ في جمع المخطوطات فقد استطاع الحصول على كثير من المخطوطات كإهداءات من جملة من مشائخ العلم كالشيخ خلفان بن جميل السيابي والشيخ محمد بن سيف الاغبري وغيرهم كما قام بشراء الكثير منها وعند تجواله في زنجبار بالشرق الافريقي استطاع جمع الكثير من المخطوطات وقد وجد الجو ملائما لان المجتمع هناك وفي كثير من الاحيان لم يكن يقيم لها وزنا فقام بجمع الكثير منها وشحنها إلى عمان عن طريق البحر وقد عانى كثيرا في ذلك هذا إلى جانب البحث من هنا وهناك وقد تمكن من الحصول على جملة من المخطوطات لاتكاد يوجد لها مثيل في السلطنة.
وتكاد جهود الشيخ مترابطة لا تنفصل عن بعضها في كل ما من شأنه العناية بالمخطوطات ففي مجال التحقيق والنشر كان اول ما اعتنى به جمع جوابات الامام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله وقد استعان بالشيخ سيف بن عبدالعزيز الرواحي والشيخ زاهر بن عبدالله العثماني ثم أرسلها إلى دمشق للطباعة باسم (الفتح الجليل من أجوبة الأمام أبي خليل) وتمت طباعتها باشراف الاستاذ عز الدين التنوخي عضو المجمع العلمي العربي بدمشق. واما بالنسبة لكتاب العقد الثمين وهو جوابات للإمام العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي رحمه الله فقد اعتنى به ايما اعتناء وقام بنسخه بخط يده ثلاث مرات وقصة جمعه انه رغب في تحصيل العلم من خلال تلك الفتاوى بعد ما وجد تشجيعا وتحفيزا من الشيخ سعود بن سليمان الكندي هذا إلى جانب رغبته في جمع هذا الكنز الثمين ونشره والافادة منه وقد قام بنسخه له وللشيخ محمد بن عبدالله السالمي وللشيخ احمد بن حمدون الحارثي. وحين وجد الحاجة ملحة إلى طبع هذه الجوابات ونشرها كان قد فقد المجلد الرابع من هذه الجوابات فأرسل في طلب نسخة من إحدى النسخ التي خطتها يده وقد عد مما عده كرامة للامام السالمي انني لم اجد سوى المجلد الرابع الذي هو طلبه في ارث الشيخ احمد بن حمدون الحارثي ، وبعدها سافر إلى مصر والتقى بالشيخ محمد محمد الدهان الذي سبق وان التقى به في زنجبار وكان عونا وسندا في طباعة الفتاوى وإخراجها ولم يعد من مصر الا بعد تمام طباعة الكتاب.
ومنذ بداية عصر النهضة المباركة وبتولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم في البلاد عام1970 وحتى يومنا هذا لم يدخر الشيخ سالم بن حمد الحارثي جهدا في المضي قدما في تحقيق ونشر نفائس التراث العلمي الذي تزخر به عمان الطيبة.
ففي بداية الامر كان عضوا للجنة التي تم انشاؤها بتوجيهات سامية لتحقيق المخطوطات ونشرها ثم كان من ضمن السواعد التي تم الاعتماد عليها بعد انشاء وزارة التراث والثقافة فمن الجهود الجبارة التي قدمها الشيخ في هذا الصدد والتي في مقدمتها تحقيق واخراج جملة من الموسوعات الكبرى في الفقه الاباضي والتي في مقدمتها كتاب (بيان الشرع) في واحد وسبعين مجلدا وكتاب (منهج الطالبين) وكتاب المصنف وكتاب لباب الآثار وكتاب الضياء وكتاب الجامع الكبير من اجوبة ابي بشير وكتاب العدل والانصاف وكتاب الدليل والبرهان وكتاب تمهيد قواعد الايمان وغيرها من الكتب والرسائل والبحوث العلمية.
وحول الصعوبات التي واجهته في ذلك أجاب في حواره السابق: لم تكن هناك صعوبات كبيرة بحمد الله سوى السقط ورداءة الخط في بعض المخطوطات وقد تمكنا من الحصول على الاجزاء الناقصة من بعض المهتمين كما انني جلبت من زنجبار قرابة سبعة عشر مجلدا من كتاب بيان الشرع وقد استغرق تحقيق كتاب بيان الشرع وإخراجه ونقله من المخطوطات إلى المطبوع قرابة ثلاث سنوات بعمل متواصل وبعض الكتب التي قمت بتحقيقها كنت مصرا على التعجيل بطبعها ونشرها ولا انسى فضل صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ حين أمر بطبع كتاب منهج الطالبين على نفقته الخاصة فقد قمت بتحقيق هذا الكتاب مع تخريج الآيات نظرا لاهميته. وقد جرينا في التحقيق على عرض النص على عدة نسخ وتصحيح الاخطاء الاملائية واللغوية واستعنت ببعض المهتمين في عرض النص على الأصل وتصحيح الأخطاء.
الجدير بالذكر ان للشيخ سالم بن حمد الحارثي اسهامات علمية في مجال التأليف والنشر منها كتاب العقود الفضية في اصول الاباضية وكتاب النخلة وكتاب المسالك النقية إلى الشريعة الاسلامية هذا إلى جانب اسهاماته العلمية والادبية وله ديوان شعر مطبوع باسم (ديوان الحارثي) ونسخ الشيخ اول مخطوط وعمره 18 عاماً وقد كان الفقيد ينوي اخراج الجزء الثاني من كتاب المسالك النقية إلى الشريعة الاسلامية واعادة تحقيق وطباعة كتاب الفتح الجليل من اجوبة الامام ابي خليل كما ينوي اصدار كتاب بعنوان روضة المستبصرين في ثلاثة ائمة من المتأخرين.
نقلا عن موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/36