ابن الصغير [دارس عن الإباضية]

معاصر · ١ كتابًا في المكتبة

ابن الصغير [دارس عن الإباضية]

هو مؤرخ الدولة الرستمية، كما تسميه الدكتورة وداد القاضي.

لا نعرف عنه شيئا كثيرا، إلا ما ذكره هو بنفسه في كتابه.

عاصر ابن الصغير أواخر أيام الرستميين، وذكر أنه رأى الإمام أبا اليقظان بن أفلح (261 -281 هـ) الذي يقول عنه "وقد لحقت بعض أيامه وإمارته وحضرت مجلسه"، فابن الصغير من سكان تيهرت الرستمية ومن رعايا الرستميين، ولا نعرف بالضبط هل هو من مواليد تيهرت أم أنه هاجر إليها من مدينة أخرى أو من بلد آخر، ولعلّ هذا الاحتمال الثاني أرجح، يرجحه قوله: "ولقد لحقت أنا بعض أيامه"، فالظاهر مِن هذا الكلام أنه جاء غريبا إلى تيهرت في أواخر أيام أبي اليقظان واستوطنها، واستقرّ فيها، كما استقرّ غيره قبله، وفي هذا يقول ابن الصغير: "ليس أحد ينزل مِن الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم ... حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي ...."، فهو هنا ينسب المدينة للإباضية أو للرستميين "ينزل بهم" ولا يعتبر نفسه واحدا مِن أهلها، ويبدو لنا أنه إمّا أنْ يكون كوفيا أو بصريا أو قرويا، يتضح لنا هذا مِن قوله -أيضا- مناظرة جرت بيْنه وبيْن أحَد الإباضية، فقال له هذا الإباضي: "مِن أين زعمتَ وزعم أصحابك وغيرهم مِن الحجازيين والعراق ..."، فابن الصغير على ما يبدو لم يكن مِن مواليد تيهرت، وإنما استوطن تيهرت ابتداء مِن أواخر دولة أبي اليقظان بن أفلح الذي توفي سنة 281هـ، حسبما ذكره ابن الصغير نفسه.

أمّا إذا تساءلنا عن مذهب مترجمنا، فالذي نراه إمّا أنْ يكون مالكيا أو شافعيا، ولعل الاحتمال الثاني أقرب إلى الصواب، فالنص الذي ذكرناه قبل قليل عن مناظرة مُؤرِّخنا مع أحَد وجوه الإباضية الذي قال له "مِن أين زعمتَ وزعم أصحابك وغيرهم مِن الحجازيين و العراق ..."، إنّ هذا النص يشير إلى كون ابن الصغير حجازي المذهب أيْ مالكيا أو عراقي المذهب، فالعراق في هذه الفترة يعج بالفِرَق والمذاهب، ولكنّنا نحتمل أنْ يكون القصد به هنا المذهب الشيعي.

إنّ ابن الصغير كثيرا ما أشار إلى ميوله العَلَوية، ولعلّ أبرز ذلك إيراده لحديث "مَن كنتُ مولاه فعَلِيٌّ مولاه"، فهذا الحديث الذي استشهد به ابن الصغير على خصومه اعتقادا بصحته في ذلك الوقت بذاته دليلٌ على عَلَويته، لأنّ هذا الحديث ظَلّ مدار مُناقَشة المُحدِّثين -إلى يومنا هذا تقريبا- بيْن مُعترِف بصحّته، ورافض لذلك، فالشيعة العَلَويون -بطبيعة الحال- مُؤمِنون بصِحّة الحديث؛ لأنه يخدم معتقداتهم، وبالتالي فابن الصغير لم يَستشهِد بهذا الحديث إلا لكونه عَلَويا شيعيا، معتدلا في نظرنا، هذا بالإضافة إلى ذِكره بأنّ خطب الجمعة في تيهرت كانت خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

إننا نرجّح هذا، وهذه الأدلّة، ونحن نشعر يقينا أنّ المسألة ما زالت بحاجة إلى أقلام وبحوث، فلعل اجتهادنا يكون حافزا لغيرنا للتدقيق في الأمر أكثر.

ونختم إجمالا بالقول أنّ ابن الصغير لم يكن مِن مواليد تيهرت، وإنما قصدها في أواخر أيام أبي اليقظان، فاستوطنها، كما استوطنها الغرباء، الذين تَحدَّثَ عنهم، لذلك كان الشطر الأوّل مِن كتابه أخبارا وروايات استقاها مِمّن يثق بهم مِن الإباضية، والشطر الثاني مِنه مُشاهَدته الخاصة.

وبالنسبة لمذهبه فهو شيعي معتدل غالبا.

أمّا إذا جئنا إلى كتابه، فإننا نفاجأ بداية بتعدد عناوينه، مثل "أخبار الأئمة الرستميين"، "تاريخ ابن الصغير "، "سيرة ابن الصغير"، وقد استعملت هذه التعابير كلها في الكتابات الحديثة، إلا أنّ أوّل نشر له مِن قِبل الأستاذ موتيلانسكي يحمل هذه العبارة "ذِكر بعض الأخبار في الأئمة الرستميين، منقول مِن ابن الصغير"، فلعل الكتاب الذي بيْن أيدينا اليوم ناقص، وهو ما يمكن فهمه مِن شبه عنوانه أو افتتاحيته المذكورة، فذِكر بعض الأخبار المنقولة مِن ابن الصغير لا تعني إلا انتقاء أخبار دون أخرى، وإلى هذا تشير الدكتورة وداد القاضي، فتقول بأنّ كتاب ابن الصغير وصلنا ناقصا، إذ يسكت فجأة في إمامة أبي حاتم يوسف، دون أنْ يشير إلى نهاية الرستميين، وتعلل هذا بقولها: إنّ ابن الصغير لَمّا تَحدَّث عن فرص يعقوب بن أفلح الأشقر قال: "لم يكن بالمغرب مثله، قَبله ولا بعده، به يضرب المثل إلى اليوم ".

وتقول الدكتورة: عِلما بأنّ الإمام يعقوب تولى الإمامة مُباشَرة قَبل أبي حاتم، فقولها "إلى اليوم" تعني بعد مدة ليست بالقصيرة ...

ويعتبر كتاب ابن الصغير المرجع الأوّل، وربما الوحيد لتاريخ الأسرة الرستمية، ويتهم الشيخ محمد مبارك الميلي لغته بالعامية، فهي إنْ كانت في بعض الألفاظ كذلك، فالكتاب ككُلّ لا يمكن وصف أسلوبه بالعامية في نظري، الدكتور محمود إسماعيل إنّ "أسلوبه ومنهجه كما يتضح في تاريخه للدولة الرستمية يَنِمّ عن طول باع في ميدان التاريخ ".

ويبدو أنّ ابن الصغير ألّف كتابه حوالي سنة 290هـ، حسبما يرى ذلك مترجم الكتاب وناشره الأستاذ موتيلانسكي، ويؤكد كل مِن الأستاذ ليفسكي ووداد القاضي، إذ تنتهي أحداث الكتاب في حُكم أبي حاتم، الذي امتد إلى سنة 294هـ، ولم يشر إطلاقا إلى اليقظان بن أبي اليقظان، هذا إذا اعتبرنا الكتاب الذي بيْن أيدينا كاملا لم يسقط مِنه آخره.

نقلا عن أخبار الأئمة الرستميين، ابن الصغير ص 11-15، تحقيق وتعليق: محمد بن صالح ناصر، إبراهيم بن بكبر بحاز.

كتبه

فتاواه

  1. الإباضية في أعمال المستشرق البولوني تاديوش ليفتسكي (ببليوجرافيا)
  2. الدولة الرستمية: دولة إسلامية تجاهلها التاريخ
  3. الرواية التاريخية في الميزان
  4. الفَرْق بين الوهبية والوهابية
  5. جبل نفوسة منذ انتشار الإسلام حتى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21-442هـ)
  6. دراسات شمال إفريقية: كتاب السير لأبي العباس أحمد الشماخي مع ملاحظات حول أصل وتاريخ أسرة آل شماخ
  7. دورة المرأة في الحركة العلمية بجبل نفوسة (ق3-ق6هـ)
  8. معالم الحضارة الإسلامية بورجلان 296-626هـ / 909-1229م