محمد بن شامس بن خنجر البطاشي
توفّي ١٤٢٠هـ · ٤ كتابًا في المكتبة
ويُعرَف بـ: محمد بن شامس بن خنجر بن شامس البطاشي
محمد بن شامس بن خنجر بن شامس البطاشي
( و : 12 صفر 1330هــ/ 1 فبراير 1912 م ـــــ ت : 1 شوال 1420هــ/ 8 يناير 2000 م)
قاض وال ، وفقيهناظم للشعر ، عاش في القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر الهجري ؛ من بلدة المسفاة من أعمال قريات .
نشأ في بلدته المسفاة على حب معالي الأمور ، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنوات ، وكان عصاميّا منذ سنيه الأولى ، فاعتمد على نفسه في اكتساب العلم ، وقد رحل إلى نزوى عام 1343هـ/ 1925م ، فأخذ العربية عن الأستاذ حامد بن ناصر ، وأخذ أصول الدين والفقه عن الشيخ عبدالله بن عامر العزري ، كما لازم الإمام الخليلي وكثيرا من علماء نزوى ، وكان طول إقامته بنزوى لطلب العلم يروض نفسه على المكارم والأخلاق ، وقد طرق الكثير من أبواب العلم ، وبعد جدّ واجتهاد صار موسوعة علمية لا يستهان بها .
اشتغل بالقضاء ، وقضى عمرا طويلا من حياته فيه ، فتولى قضاء ولاية قريات عدة مرات ، ثم تقضى في ولاية الحمراء ، ثم صار واليا وقاضيا في ولاية بدبد ، ثم انتقل إلى جعلان ، ثم استقر به المقام في مسقط ، فعمل في محاكمها بدرجاتها الثلاث الشرعية فالاستئناف فالتظلمات ، وفي عام 1417هـ/ 1996م طلب إعفاءه من القضاء ، فأعفي بعد جهد طويل ورحلة استمرت 60 عاما قضاها في القضاء .
كان قصير القامة ، متوسط البنية ، قوي الذاكرة ، كثير العبادة ، مؤثرا التقشف ، بعيدا عن حبّ المظاهر في جميع أحواله ، شهر بالعدالة في الأحكام ، والقيام بالأمر على أتمّ وجه ، وهو ـ مع ذلك ـ من أعيان قومه ومن أكابرهم ، بل هو الوحيد المنظور إليه بشرف علمه وحسبه .
كان عالما بالعديد من العلوم ، وله في النظم باع شاسع ، يحفظ الكثير من علوم الأدب والشعر ، وقد أخذ من علم الأنساب بحظّ وافر ؛ حتى كان الإمام الخليلي يدعوه نسابة عمان .
له العديد من الآثار العلمية :
1. غاية المأمول في علم الفروع والأصول ( مط ) : كتاب قيّم في أصول الدين والفقه ، يقع في تسعة أجزاء ، فصّل فيه أحكام الشريعة وفروعها تفصيلا ، وأكثر ما فيه عن الأئمة والمشايخ : خميس بن سعيد الشقصي ، وعبدالعزيز الثميني ، وقطب الأئمة ، ونور الدين السالمي ، وقد اعتمد في الأقوال على أقوالهم ، وفي التصحيح على تصحيحهم .
2. إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر ( مط ) : كتاب جمع فيه مسائل الحج والعمرة ، كان أكثر اعتماده فيه على كتاب شرح النيل للإمام القطب ، وقد ألفه ليكون دليلا مختصرا للحاج في حله وترحاله .
ووصف بعضهم الكتاب بأنه " كتاب جليل الفائدة ، حوى من مسائل الحج والعمرة والزيارة ما لم يحوه غيره من مطولات الكتب " ، وقد ظلّ الكتاب فترة من الزمن زادا للحاج والمعتمر في أداء مناسكهما .
3. الكشف عن الإصابة في اختلاف الصحابة ( أو فصل القضية في نهج الإباضية ) ـ مط : رسالة مختصرة ، تكلم فيها عن عقيدة الإباضية ولاية وبراءة وموقفهم من الفتنة التي حدثت بين الصحابة وشقت عصا المسلمين ، وذكر فيه سيرة الخلفاء الراشدين ، وسيرة أئمة الإباضية في عمان والمغرب ، وقارن سيرتهم بسيرة غيرهم ممن يزعم أنهم أمراء المؤمنين ، مع أنهم فسّاق فجرة ، وقد انتهى من تأليفها في 27 ربيع الثاني 1407هـ/ 30 ديسمبر 1986م .
4. سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب ( مط ) : أرجوزة تقع في عشرة أجزاء ، وعدد أبياتها مائة وأربعة وعشرون ألف بيت ، نظم فيها النيل مع شرحه ، وزادها شيئا من مسائل الأثر ، وضمنها أبواب الفقه والأصول ، وتقصى فيها الفروع وكثيرا من الآداب والفضائل . وقد استغرق في نظمه ثلاث سنوات مع ما اعتراه خلالها من مشاغل جمة ، بدأ فيه سنة 1382هـ/ 1962م ، وانتهى في سنة 1385هـ/ 1965م ، وقد تمرّ عليه أيام دون أن ينظم منه شيئا ، وقد ينظم في اليوم الواحد ألف بيت أو يزيد .
5. كتاب السيرة وتاريخ عمان (مر): تكملة لكتاب سلاسل الذهب ، كان في نية المؤلف أن يجعله الجزء الحادي عشر من الكتاب ، أكمل فيه الحديث عن تاريخ عمان ؛ حيث توقف في نهاية الجزء العاشر عند نهاية دولة اليعاربة ، فأكمل في هذا الجزء الحديث عن دولة البوسعيد إلى سنـة 1395هـ/ 1975م .
6. رسائل صغيرة في موضوعات فقهية وتاريخية عديدة : منها رسالة في صلاة الجمعة ، كتبها بناء على طلب بعض إخوانه ، بيّن فيها لزومها وشروطها وأحكامها ، وتقع في 11 صفحة تقريبا .
7. مجموعة جوابات : حيث ترد عليه أسئلة من العامة والخاصة ، فيجيب عليها ، ولو قدّر لها أن تجمع جميعها لكانت في مجلدات عديدة ، ومن الكتب التي تتضمن شيئا من أجوبته كتاب إرشاد السائل للسيد حمد البوسعيدي ، ومصباح الظلم للشيخ سيف البطاشي .
8. مناظيم متنوعة ، وقصائد في فتوحات الإمام الخليلي وعرض محتويات بعض الكتب ..الخ ، وأجوبة نظمية ، وقد غاب كثير من هذه الأشعار ، وما بقى يأتي في مجلـد أو يزيد .
9. سيرة ذاتية : كتبها عن حياته ، وعرّف بها نفسه والأطوار التي مرّ بها في حياته وأعماله .
توفي رحمه الله في صبيحة يوم عيد الفطر المبارك من سنة 1420هـ/ 1 شوال 1420هـ/ 8 يناير 2000م ، ولم يكن به أي باس ، وقد رثاه العديد من الشعراء .
أعمال على نتاجه الفقهي والعقدي :
1. عقد الجواهر شرح إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر ( مط ) : للشيخ حارث بن محمد بن شامس البطاشي ، شرح فيه كتاب والده "إرشاد الحائر " ، فبيّن مجمله ، وشرح غامضه ، وخرّج آياته وأحاديثه ، وجمع فيه من المسائل والأحكام الشيء الكثير ، وضمّنه العديد من الفوائد والشوارد ، وكان شرحه هذا في جزئين .
ويعدّ هذا الشرح من أحسن الكتب التي ألّفت في بيان وتفصيل مسائل الحجّ تفصيلا دقيقا ، وبيان آراء المذاهب بأدلتها ؛ مع التوثيق لكل مذهب من كتبه الأصيلة المعتمدة .
المصادر :
•البطاشي ؛ سيرة ذاتية ( كلها )
•الخصيبي ؛ شقائق النعمان 3/98 ــ 105
•البوسعيدي ؛ قلائد الجمان ص 394 ــ 427
•الحارثي ؛ أضواء على بعض أعلام عمان ص 126
•الكندي ؛ بدائع الفكر ص 105
•الشيباني ؛ محمد بن شامس البطاشي ( ضمن ليالي رمضان ص 40 ــ 41 )
نقلا عن:
كتاب: معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية
تأليف: فهد بن علي بن هاشل السعدي
رقم العَلم: 756
----------
محمد بن شامس بن خنجر بن شامس البطاشي
( و : 12 صفر 1330هــ/ 1 فبراير 1912 م ـــــ ت : 1 شوال 1420هــ/ 8 يناير 2000 م)
قاض فقيه ، وناظم للشعر ، عاش في القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر الهجري ؛ من بلدة المسفاة من أعمال قريات .
نشأ في بلدته المسفاة على حب معالي الأمور ، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنوات ، ثم رحل إلى نزوى عام 1343هـ/ 1925م ، فأخذ العربية عن الأستاذ حامد بن ناصر ، وأخذ أصول الدين والفقه عن الشيخ عبدالله بن عامر العزري ، وبعد جدّ واجتهاد صار موسوعة علمية لا يستهان بها .
تولى القضاء في عهد الإمام الخليلي ، ثم عهد السلطان سعيد بن تيمور وابنه السلطان قابوس بن سعيد ، وفي عام 1417هـ/ 1996م طلب إعفاءه من القضاء ، فأعفي بعد جهد طويل ورحلة استمرت ستين عاما في القضاء .
كان عالما بالعديد من العلوم ، وله في النظم باع شاسع ، يحفظ الكثير من علوم الأدب والشعر ، وقد بدأ النظم في سن مبكرة من عمره ، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة بعد ، وشعره في غاية الجزالة والقوة .
وله في علم الأنساب حظّ وافر ؛ حتى كان الإمام الخليلي يدعوه نسابة عمان .
له العديد من الآثار العلمية :
1. غاية المأمول في علم الفروع والأصول ( مط ) : يقع في تسعـة أجزاء .
2. إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر ( مط ) .
3. الكشف عن الإصابة في اختلاف الصحابة ( مط ) .
4. سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب ( مط ) : أرجوزة تقع في عشرة أجزاء ، وعدد أبياتها مائة وأربعة وعشرون ألف بيت ، وقد نظم فيها النيل مع شرحه .
5.كتاب السيرة وتاريخ عمان (مر) : تكملة لكتاب سلاسل الذهب .
6. رسائل صغيرة في موضوعات فقهية وتاريخية عديدة .
وغيرها .
كما أن له مناظيم متنوعة ، وقصائد في فتوحات الإمام الخليلي وعرض محتويات بعض الكتب ..الخ ، وأجوبة نظمية ، وقد غاب كثير من هذه الأشعـار ، وما بقي يأتي في مجلد أو يزيد .
توفي رحمه الله في صبيحة يوم عيد الفطر المبارك من سنة 1420هـ/ 8 يناير 2000م .
المصادر :
•........... ؛ إرشاد الحائر 3ــ4
•......... ؛ سيرة ذاتية ( كلها )
•الأغبري ؛ عقد الدر المنظوم 21ــ23
•الخصيبي ؛ شقائق النعمان 3/98ـــ105
•البوسعيدي ؛ قلائد الجمان 193ـــ194، 394ـــ427
•البطاشي ؛ إتحاف الأعيان 1/228ـــ229، 239، 329ـــ335
•............ ؛ إرشاد السائل 79
•............ ؛ الطالع السعيد 45ــ56، 69ـــ70، 80ـــ81، 96ـــ98، 101، 110ـــ 111، 126، 128، 152ـ153، 400 ــ 401
•السالمي ؛ دارس 21ـــ22، 38ـــ39(ط1) 26ــ27، 45ـــ46 ( ط 2 )
•الحارثي ؛ أضواء على بعض أعلام عمان 126
•الحارثي ؛ صدق المشاعر 11
•البطاشي ؛ عقد الجواهر ــــ مقدمة
•مجهول ؛ مجموعة قصائد في رثاء الشيخ العزري ـــ مخ ( مكتبة السيد محمد بن أحمد )
نقلا عن:
كتاب: معجم شعراء الإباضية (قسم المشرق)
تأليف: فهد بن علي بن هاشل السعدي
رقم العَلم: 358
----------
محمد بن شامس بن خنجر بن شامس البطاشي
محمد بن شامس بن خنجر بن شامس بن خنجر بن شامس بن ناصر بن سيف بن فارس بن كهلان بن خنجر بن شامس بن فارس بن سنان بن شامس البطاشي ، نسبة إلى بطَّاش وهو لقب عمرو بن عدي بن محمد بن بلعرب بن محمد بن محمد بن بلعرب بن كهلان بن مزاحم بن بلعرب بن مزاحم بن يعرب بن محمد بن مربع بن حارث بن عمرو بن جبلة بن الأيهم ، الذي هو من غسَّان القبيلة الأزدية، هكذا يبيّن الشيخ البطاشي نسب قبيلته أنهم من الأزد ، وليس من طيّ كما اشتهر عند أهل عمان ، ومن جملتهم الشيخ العلاّمة ناصر بن سالم الرواحي حيث قال في نونيته الشهيرة.
وأين عنها بنو بطَّاش أين هُمُمَنْ لي بهمْ وهمُ للحرب أخدان
عادات طَيِّءَ تخضيبُ السيوف وإرواءُ المثقَّف وهوَ اليوم عطشان
وإنـما جرت نسبتهم إلى طيّ لأنهم استوطنوا الأماكن التي تقطنها قبائل طيّ مثل بني عرابة ، وبني عمرو ، وبني وهيب ، والهاديّين ، وبني أخزم ، وبني غسين، والمشارفة.
ولقد ألّف الشيخ محمد رسالة في نسب بني بطاش وأثبت أنهم من غسّان من الأزد ، وله قصيدة رجزية قالها في العشرينات من عمره يدعو فيها إلى الإصلاح ولمّ الشمل ، خاطب فيها بعض القبائل المجاورة لهم في تلك المنطقة ، وبيّن فيها اتصال النسب والرابطة الأزدية فيما بينهم ، ولكنه يبيّن أنها ليست المعيار في المفاضلة ، وإنما التقوى والصلاح.
يا أيهــا الإخـوان والخلاّنُبني عرابــة ويـا همدان
ماذا الشقـاق بينـنا وبينكمْوذا الجفا هل سرّنا وسرّكم
ألم يكن همـدان جدكم عـلىزيد بن كهلان ترقـى وعلا
أبناء عمّ الأزد أنتـم فـاعلمواوإننـا الأزد أبــونا الأيهم
أما بنو بطاش ليســوا من بنيطيّ فهـم عـن طيّئٍ في سَنَن
بل أصلنا من آل غسـان اعلموجدّنا جبَلـة بـن الأيهم.
ولادته ونشأته:ـ
ولـد الشيخ محمد بن شامس في الثاني من شهر صفر من عام 1330هـ /1912م في بلدة المسفاة من أعمال ولاية قريات ، وهو رابع إخوته وأصغرهم سنّا وتوفي والده وهو رضيع ابن أربعة أشهر ، فكفله وإخوته عمُّه المهنَّا بن خنجر ، وأخوه الأكبر عدي بن شامس ،ونشأ في قريته التي ولد فيها على مكارم الأخلاق وحسن التربية .
تلقّيه العلم.
بدأ الشيخ محمد حياته العلمية بوصوله السنة السابعة من عمره، فقرأ القرآن الكريم على أخيه الأكبر منه أحمد بن شامس، فما مضت إلا أشهر وأكمل قراءته، ثم تعلّم الخط ، وقرأ في كتاب " تلقين الصبيان " للشيخ العلاّمة نور الدين السالمي ، وهو الكتاب الذي يبدأ به العمانيون منذ تأليفه تعليمهم بعد القرآن الكريم ، ففيه من علم الشريعة والآداب ما يغذِّي المبتدئين ، فله الفضل على جُلِّ المتعلمين إن لم أقل كلّهم ، جزى الله مؤلّفه خير الجزاء ، ثم إن الشيخ ابن شامس قرأ الأشعار والقصص وحفظ منها الكثير وهو في سنّ الصبا ، ولـمَّا بلغ الثالثة عشرة من عمره التحـق بنزوى وانضمّ إلى المدرسة الخليلية حيث الإمام العدل الرضيّ محمد بن عبد الله الخليلي ، الذي تضرب إلى مدرسته أكباد الإبل وتحطّ الرحال في حماه ، فهو يومئذ حاكم وأستاذ بل رئيس جامعة ، وقد سبق الشيخَ محمد بن شامس أخوه أحمد بن شامس إلى هذه المدرسة، وجاء في عام 1343هـ/1924م لزيارة وطنه " المسفاة " واصطحب عند عودته أخاه محمدا.
ولـمّا كان في " نزوى " وهو ابن أربع عشرة سنة واستقر به المقام في كنف الإمام الخليلي قال مخاطباً قومه .
يا رائحاً لليعمـلات وغادييطوي المفاوز مـن رُبىً و وهاد
أبلـغ بني بطَّـاش أنّ محمداسـاع إلى كسب العلوم وغاد
من كان يسعى لاكتساب معيشةويبيت فــوق أرائك ووساد
فأنا إلى طلب المكـارم لم أزلأسعى بهمَّـة مـاجد نقّــاد
ما إن تراني والمهيمن مغــرمابجـبـين فاطمـة وعين سعاد
سأحالف الخلوات في ظلمـاتهاوأواصل الإرقال بالإســآد
وأهين هذي النفس في طلب العلاحـتى أحصّل بغيـتي ومرادي
فليهنا قومي بـالدنـا إني امرؤقد بعتها بخساً بسـوق كساد
شيوخه:
أخذ الشيخ محمد العلم عـن كبـار علماء عمان، التي كانت تزخر بهم " نزوى " آنذاك ، ومنهم:
1ـ الإمام محمد بن عبد الله الخليلي (1299هـ/1882م ـ1373هـ/1954م )، ولد في بلدة " محرم " من أعمال " سمائل" ونشأ في أسرة لها قدم راسخ في العلم والقيادة والمجد والشرف، قرأ النحو على يد الشيخ محمد بن عامر الطيواني ، ودرس على يد أبيه وعمه الشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان مختلف فنون العلم ، ثم رحل لطلب العلم إلى الشرقية حيث نور الدين السالمي فدرس معه التفسير والحديث والأصول وغيرها ، كان أحد المناصرين لدولة الإمام سالم بن راشد الخروصي ، وبعده بويع بالإمامة في 13 ذو القعدة 1338هـ 29 يوليو 1920م ، فقام بمهمته خير قيام ، وصار مضرب المثل في العدل والفضل ونشر الأمـن والصدر الرحب والخلق العـالي وحسن السياسة ، كما كان أعلم أهـل زمانـه ، والمرجع في حـلّ المشكـلات وفـضّ العويصات ، توفي في الساعة الأولى من يوم الإثنين29 شعبان 1373هـ 3 مايو1954م.
2ـ الشيخ العالم حامد بن ناصر بن وَجْد الشكيلي ، ولد ونشأ في بلدة "بسيا "من أعمال " بهلاء "، ثم انتقل إلى " نزوى" لطلب العلم، فلما بلغ الدرجة التي تؤهله إلى أن يكون معلّماً أوكلت إليه هذه المهمة في عهد الإمام سالم بن راشد الخروصي، واستمر بها حتى تخرج على يديه جملة ممن صاروا بعد ذلك علماء وقضاة، وتوفي في عصر الإمام الخليلي بنزوى سنة 1364هـ/1945م
3ـ الشيخ العلاّمة عبد الله بن عامر العزري
وهو من القضاة البارزين , وترجمته موجودة في هذا المعجم , توفي بعد صلاة فجر الإثنين 16شوال1358هـ/29/11/1939م وصلى عليه الإمام الخليلي ودفن بنزوى.
4ـ أبـو مـالك الشيـخ العلاّمـة عامـر بـن خميس المالكي ( و:1280-1282هـ/1863-1865م ت: ليلة 5رمضان 1346هـ/26/2/1928م ) .
وهو من العلماء والقضاة البارزين , وترجمته موجودة في المعجم .
5ـ الشيخ العلاّمة سعيد بن ناصر الكندي ، ترجمته موجودة في المعجم.
مكانته العلمية :ـ
يحتلّ الشيخ محمد بن شامس مكانة علمية بارزة بين العلماء ، ولا أدلّ على ذلك من أن ينال شرف القرب من الإمام الخليلي لما رأى فيه من النجابة والفطنة والبديهة ، وكان يستعين بـه في معرفـة أنساب العرب ،وأطلق عليه لقب " نسّابة عمان "
وفي عام 1368هـ/1946م أصاب عمان جدْب شديد وقحْط ، وخرج الإمام الخليلي ومعه أهل نزوى لصلاة الإستسقاء في أول يوم من ربيع الأول وفي اليوم الثاني والثالث وهكذا مدة ثمانية أيام ولم يسقوا، وبعد ذلك كتب الإمام رسائل ثلاث واحدة للشيخ البطاشي وأخرى للشيخ سفيان بن محمد الراشدي والثالثة للشيخ زاهر العثماني وأرسل بهنّ خادمه مبروك ، ونصّ كتابه للشيخ البطاشي :" إلى الشيخ الولد محمد بن شامس البطاشي أما بعد : فقد كان نبي الله داؤد عليه السلام يخرج في الليل متنكرا يسأل الناس عن سيرته وعمّا ينقم عليه ، وأريد منك أن تبيّن لي إن كان ينقم عليّ شيء من الأمور وتبيّنه لي ، وسيأتيك الخادم مبروك بكرة الصباح واعطه الكتاب " ، فردّ إليه الشيخ البطاشي بما يلي:" إلى حضرة سيدنا إمام المسلمين محمد بن عبد الله سلام عليك ورحمة الله ، كتابك وصلني وفهمت ما ذكرته ، وأقول : أيها الإمام إنا لا نعيب عليك في حكم ولا في قسم ، ولقد سرت في هذا الزمان سيرة أصبحت غّرة في جبين الدهر ، ولكن الذي يقوله الناس : إن القصور جاء من قبل العمّال، وإنك إذا رفع إليك قصور من عامل ما عاقبته بل ولا عاتبته ، فتجرّأ العمّال ، واقتدى الأول بالآخر واتسع الخرق، وظنوا أن هذه السيرة لا تجرحهم عندك ، ولقد قال قائل: إنَّ عمر بن عبدالعزيز ليس بدون عمر بن الخطاب في ورعه وفضله ، ولكن رجاله ليس كرجال عمر بن الخطاب ، فأجاب مجيب أن لو كان عمر مثل عمر لكن رجاله كرجال عمر ، لأنّ الأمير كالسوق تجلب إليه البضاعة التي تروج فيه ، فانظروا في الأمر ، والله يوفقكم لصلاح الأمة والسلام " ، وأجابه الشيخ زاهر بما يقرب من هذا الكلام ، ثم عقد الإمام اجتماعا بالثلاثة ومعهم الشيخان طالب بن علي الهنائي ويوسف بن سعيد الرواحي ، واستقـرّ الأمـر على بعض التغيـيرات في الأمـور الماليـة وتشديـد الرقابـة عليهـا وعلى ما يهمّ أمر المسلمين ، وفي ذلك دليل على مكانـة الشيخ البطاشي العالية التي يحتلها في المجتمع من حيث العلم والمنزلة الاجتماعية .
يقول الشيـخ محمد بن راشد الخصيبي في كتابه شقائق النعمان : ويعدُّ الشيخ البطاشيمن الحفّاظ الأذكياء ، ومن الأشخاص البارزين بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور ، كما أنه يعدّ من أعيان قومه ومن أكابرهم ، بل هو الوحيد المنظور إليه بشرف علمه وحسبه ، وقد استطاع أن ينفع المسلمين بكل خدمة وعمل حتى بالتأليف لأهليته ، ولأنه راسخ القدم طويل الباع في العلوم ذو ملكة فيها ، وذو اقتدار على النظم ، فضلاً عن النثر ، فناهيك بكتابه " سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب " ، رجز في عشرة أجزاء ".
ويقول الشيخ سعيد بن خلف الخروصي سائلاً له في قالب شعري مشيداً بمكانته العلمية ومعترفا له بالمرجعية في ذلك:
تربَّع في دست القضا علَمُ الهدى بها فغدت تسخو بعلم وحكمة .
محمدنِ الزاكي خَلاقاً ومحتـِداًإلى آل بطّــاش علا عرش عزة
أعلاّمة القطر العماني جُـدْلنابنظم جواب فيـه هدي الشريعة
يفصّلـه منك البيـان بحكمةتنير سبيل الرشـد كشْفا لحيرة
كما تتجلى لنا مكانته العلمية من خلال الرسالة التي كتبها الشيخ العلاّمة إبراهيم بن سعيد العبري مفتي عام السلطنة السابق ، فقد أطلق عليه لقب " العلاَّمة " ، وهذه شهادة لها مكانتها الكبيرة من رجل شهد له علماء عصره بالصدارة في العلم الشرعي والتبحّر فيه والتحقيق، ووقّع على هذه الرسالة كوكبة من العلماء والقضاة بمسقط في ذلك الوقت ، وإن كانت هي في مضمونها جواباً لمسألة فقهية وقع فيها الخلاف بين العلماء ويريد الشيخ البطاشي منهم الإتفاق على رأي موحد فيها ، لكونها قضية واقعة في المحاكم وكثير حصولها في ذلك الأوان ، وسأكتفي من الرسالة بمقدمتها تدليلاً على المكانة العلمية للشيخ البطاشي: " هذا جوابنا للأخ العلاّمة محمد بن شامس البطاشي ، قائلين بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة محمد وعلى آله وصحبه ، إنه لا يخفى عليك ما قاله علماء المذهب وغيرهم في هذه المسألة من إجمال وتفصيل .... ".
4ـ آثاره :ـ
أثرى الشيخ البطاشي المكتبة الإسلامية بكثير من إنتاجه العلمي ، طبع بعضه والآخر ينتظر ، فعسى أن يمنّ الله بنشره لينتفع به .
ومن مؤلفاته :
1ـ سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب.
فهو موسوعة ضخمة في عشرة مجلدات تحتوي على مائة ألف بيت وأربعة وعشرين ألف بيت من بحر الرجز، مطبوع إلا الجزء الأخير منه.
2ـ غاية المأمول في الفروع والأصول .
في الفقه وأصوله وأصول الدين ، يقع في عشرة أجزاء .
3ـ إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر.
كتاب يبحث في مسائل الحج والعمرة وأحكامهما ، وصار هذا الكتاب سنوات عديدة زاد الحاج العماني ومرجعه في أمور المناسك .
4ـ كشف الإصابة في اختلاف الصحابة.
يبحث في اختلاف الصحابة إثر مقتل الخليفة عثمان بن عفان ومبايعة الإمام علي بن أبي طالب وما صاحب ذلك من حروب وفتن ، ويبحث في قضية تحكيم الحكمين وأهل النهروان .
5ـ تحفة الأصحاب على ملحة الإعراب.
منظومة في النحو والصرف اختصر فيها ملحة الإعراب للحريري في نظم سهل سلس .
6ـ نبذة عامة عن ولاية قريات.
تكلـّم فيها عن ولاية قريـات وأهمّ قراهـا وبلدانها ، وذكـر العلماء الذين تخرجـوا منها وقادتها ورجـالها البارزيـن ، والأبـراج والقلاع والحصون الموجودة فيها ، وتكلم عن الأفلاج والحيوان والأشجار والأودية والجبال وغير ذلك .
7ـ رسالة في صلاة الجمعة .
تطرق في هذه الرسالة إلى بعض المسائل المختلف فيها في صلاة الجمعة من نحو موضع إقامتها وشروط وجوبها.
8ـ مجموعة جوابات .
وهي جوابات لأسئلة فقهية وردت إليه من العامة والخاصة ، نظْم و نثْر.
9ـ ديوان شعر.
يتألف من مجموعة قصائد في أغراض متعددة .
10ـ رسائل صغيرة .
وهي رسائل عديدة في موضوعات متنوعة في الفقه والسير والأنساب والتاريخ وغير ذلك .
11ـ سيرة ذاتية .
كتبها عن نفسه وحياته ومراحل تعليمه وشيوخه والأعمال التي تقلدها والصعاب التي واجهها .
12ـ منظومة في النحو والصرف .( مفقودة )
13ـ مجموعة أراجيز في الفقه ،وفي تاريخ بعض الأحداث المعاصرة ، وفي وصف بعض الأسفار التي قام بها ( مفقودة ).
14ـ قصائد عديدة في الرثاء والاستنهاض والإخوانيات ، وكثير منها كان أيام قيامه بنزوى ( مفقودة ).
15ـ مجموعة بحوث فقهية وخطب ورسائل ( مفقودة ).
16ـ فهرسة شعرية لكتب المصنف ، ولباب الآثار ، ومنهج الطالبين ، وبعضها يزيد على خمسمائة بيت .
17ـ كتاب في أنساب أهل عمان ، ألفه بالإشترك مع بعض أهل العلم
تولى الشيخ محمد القضاء فترة طويلة بدأت بعام 1356هـ/1937م إلى 1416هـ/1996م وهي ستون سنة ، ولكن تخللتها فترات انقطاع .
وبيان أعماله كالتالي :
1ـ ولي قضاء قريات في عام 1356هـ/1937م وبقي بها أشهراً.
2ـ عمل قاضياً بولاية الحمراء .
3ـ عمل قاضيا ووالياً على بدبد عام 1361هـ/1942م .
4ـ عمـل قاضياً بجعلان بني بوحسن في حدود عام 1368هـ/1949م لمدة شهر، حيث إنه اعتذر للإمام عن مواصلته للعمل فيها وعاد إلى بلده .
5ـ عمل قاضياً بمحكمة الإستئناف بمسقط في الفترة من 1390هـ/1970م وإلى 1416هـ/1996م ، حيث أحيل إلى التقاعد بناء على رغبته.
وهذه رسالة " شكر وتقدير " حصل عليها بعد تقاعده من معالي وزير العدل والأوقاف والشئون الإسلامية مبيّنة جليل خدمته ، ورفيع مكانته .
فضيلة الشيخ // محمد بن شامس البطاشيالمحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ـ وبعد ،،،،
" شكر وتقدير "
إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ، ورسالة حق وعدل وأمانـة ،لا يتحملها ولا يؤديها إلا العلماء الذين تفقهوا في الشرع ووعوا الأحكام وعرفوا طرق استنباطها وتميزوا بإعمال الفكر ورجاحة العقل.
جلستم مجلس القضاء فآسيتم بين الناس في مجلسكم وعدلكم وقضائكم وانتصرتم للحق ونصرتموه ورددتـموه إلى أهله ، فـأديتـم الأمـانة كاملـة مراعين في كـل أعمالكـم جانب الله سبحانه وتعالى .
عملتم فترة طويلة أرسيتم فيها مبادىء الحق والعدل ومثُل وتقاليد أشرف مهنة عرفها التاريخ الإنساني ، قدمتم خلاصة فكركم وجهدكم فأثريتم بالتجربة الفقه وعمّقتم بعلمكم فهم الأحكام عبر الأيام والسنين.
إزاء كل ما قدمتم لا نملك إلا أن نتقـدم إليكم بالشكـر والعرفان ، فهذا أقل ما يمكن أن نقدمه تقديراً لخدمتكم الطويلة الممتازة التي أديتموها لوطنكم ، قضيتم فعدلتم وحققتم الأمن والأمان والاستقرار فاستقام أمر الناس وصلح حالهم.
نضرع إلى الله عز وجل أن يثيبكم بقدر ما قدمتم ، وطالما اخترتم أن تعتزلوا القضاء بإرادتكم فإننا نتمنى لكم حياة طيبة كريمة آملين أن يتواصل عطاؤكم الفكري خدمة للحقل القضائي الذي منحتموه معظم سنين حياتكم .
وتقبلوا منا خالص الشكر والتقدير.
11/8/1416هـ
2/1/1996م
ـ يومه الاعتيادي حافل بالعمل الأخروي والدنيوي.
يروي ابنه الشيخ حارث بن محمد كيف يقضي والده يومه الاعتيادي فيقول : " يبدأ الوالد يومه من ساعات الصباح الأولى وقبل تباشير الفجر الأول فيتوضأ ويصلي ما شاء الله ، ثم يطالع كتب الأثر ويكثر من التسبيح والاستغفار
ويبدأ وِرْدَه اليومي من القرآن الكريم، وكان قد اتخذ وِرْداً يومياً يقرأ فيه عشرة أجزاء من القرآن الكريم، حتى إذا ما أذّن للفجر قام وصلّى سنة الفجر بالبيت
ثم يذهب للمسجد ويصلي بالناس الفجر، وبعد الصلاة يعقد حلقة لقراءة جزء واحد من القرآن مع مجموعة من المصلين ،ثم يعود للبيت ويطالع في الكتب إلى شروق الشمس ، فيفد عليه أصحاب الحاجات من مستفتين ومن خصوم ومن متعلّمين ثم يدعو بالإفطار فيشاركه الحاضرون الأكل ، ثم يغتسل ويتوضأ ويستعدّ للذهاب على المحكمة
وفي الطريق من البيت إلى المحكمة يقرأ جزأ من القرآن الكريم ،وكذلك في طريق العودة ويظلّ بالمحكمة حتى يصلي الظهر، ولا يقتصر وجوده بالمحكمة على فصل القضاء، بل يردّ على أسئلة المستفتين من القضاة وطلبة العلم وعامة الناس
ثم يعود للبيت ويطالع في الكتب، ثم يتناول الغداء ويضطجع قليلاً، وأحيانا يزعجه الناس عن الراحة ، بعدها يخرج لصلاة العصر، ثم يعود للبيت فإن كان ثمّت أناس استمع إليهم أو أنه يشتغل بوِرْده وبالمطالعة ،ولا يخلو هذا الوقت غالباً من الناس
فإذا كان وقت المغرب خرج للمسجد ثم يعود للبيت وهذا الوقت مزحوم بالناس ونادراً ما يجد فراغا للمطالعة ، وأعجب منه ـ رحمه الله ـ ومن سعة صدره، فإنه على هذا العمر وقد أضرّ به الشيب ما رأيته اعتذر عن استقبال أحد رغم ما يسببه ذلك له من مشقة ،فإنّ بعض الناس لا يراعون أحـوال الوالد، وربما يقصدونه في لحظة راحة أو نوم فلا يتوانى عن قضاء حوائجهم ، ولم يكن وقته بالمواعيد فمن بدَت له الحاجة قصده في مجلسه، فإذا راعـه كثرة الحاضرين طلب النجوى فيلّبي له الوالد طلبه ، وربما تواصل المجلس إلى ما بعد صلاة العشاء ،فإذا انفضّ سامر القوم قام الوالد وصلى النوافل وأتبعها الوتر، ثم يطالع في الكتب ،ويكمل وِرْده اليومي من القرآن وينام في ساعة متأخرة من الليل ،ويصحو في الساعات الأولى من الصباح ،ومجمل ما ينامه في اليوم والليلة ثلاث ساعات " 1ه.
هذا ويعدّ ممن ألّف في الفقه تأليفاً موسوعياً ، حيث يدلّ كتاباه : " سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب " و " غاية المأمول في علم الفروع والأصول " على ذلك من التوسُّع في التأليف وطرق معظم أبواب الفقه إن لم نقل جميعها ، ولعل من الفائدة أن نطلّ على نبذة مما حواه الكتابان إطلالة سريعة .
أولاً : " سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب " كتاب يحتوي على أحد عشر جزءاً ، طبعت وزارة التراث القومي والثقافة بالسلطنة ـ مشكورة ـ منه عشرة أجزاء ، وهو كتاب في قالب شعري يحتوي على مائة ألف بيت وأربعة وعشرين ألف بيت بدأ في نظمه عام 1382هـ وأتـمّه سنة1385هـ، يقول في المقدمة :
الحمد لله الذي قد أظهرالنا منار دينه وبصَّرا
وأنزل الكتاب فيه علْم مانأتي وما نتركه متمّما
مفصّلا بأحسـن التفصيليرشدنا لأقوم السبيل.
ثم بيّن سبب تأليفه لهذا الكتاب بقوله :
وبعد فاعلـم أنّ سِفْر النيلوشرحـه لقطبنـا الجليــل
أنفع ما صنّف في ذا المذهبمن كتب الشرق معاً والمغـرب
وكنت قد لقطت منهما دررْضمّنتها سِفْـرا بديعـا مختصر
ثم رأيت بعـد هـذا الحالأن أنظـم المنثـور مـن لئالي
لأنما النظـم على الأسمـاعأشهى وأرجى أن يعيه الـواعى
حينئـذ جـمعت للمطالبوجبت عرض البيد والسباسب
وقد نظمت منهما هذي الدرر وزدت من سـواهما من الأثـر
ومن أصول العلم والفروعوسائـر العلـوم بالتـنويـع
ما لم يكن في النيل بالموجـودعن قـادة وعـن سَراة صيد
ولم أكن أهـلا لذى الأمـورأيـن أنا مـن شـانها الخطيـر
أعرف نفسي وسواي يعـرفبأنـني عـن مثـل ذاك أضعف
لاسيّمـا مـع هـذه الموانعوالمـحـن العظيمـة القوارع
وعـدم القـريـن لي والناصروسوء فهمى غامض الدفـاتـر
وضعف حالي من كلا الأمرينيا ربّ يـسّر لي غـنى يكفيني
وهذا من باب التواضع وهضم النفس، ـ وهو شأن العلماء ، حيث ذكر أنه ليس أهلاً للتأليف ، لاسيّما وأنّ هناك أمورا حياتيةواجتماعية تعيقه عن هذا العمل ، ولعلّ من الدوافع المهمة التي جعلته يواصل السير فيه ويخوض غمار التأليف بطريقة الرجَز هو أنه عرض بدايات مشروعه على الإمام الرضيّ محمد بن عبد الله الخليلي وهو العلاّمة المحقّق المرجع، فاستحسن ما أبداه له وشكر سعيه ، وفي هذه المعاني كلها يقول:
وكنت قد عرضت مبدا كَلِمي على الخليلـيّ الإمـام الأكرم
فاستحـسن النظـم متى رآهوشكـر السعى لمـن أبـداه
لكنني مـن ذلك الأوان مـاشرعت فيه بـل بقيت محجما
لما أقـاسيه مـن الأهـوالدوما ومن مكائـد الـرجال
ومن خطوب تفلق الجلموداوتقطـع القلـوب والكبودا
وفي خلال هـذه الـزلازلشمّرت للنظم بعـزم فـاصل
فجاء والحمد لذي الجـلالنظما حوى جواهـر الأقوال
فاحتوى الجزء الأول على أصول الدين وفي ذكر فضل العلم والعلماء العمانيين الأوائل وفي ذكر شئ من التفسير ، وما تحمله بعض الكلمات القرآنية من دلائل ومعاني ، والجزء الثاني في أصول الفقه ، والثالث في الصلاة والطهارات ، والرابع في الزكاة والصوم والحج والكفارات والنذور والأيمان والذبائح والصيد ، والخامس في النكاح والطلاق وما يتعلق بهما من أحكام ، والسادس في البيـوع والرهن والشفعة ، والسابع في الإجارة والشركات والقسمة ، وأحكام الأنهار والآبار والطرق ، وفي الهبات والعواري واللقط والضمانات ، والثامن في الإمامة والدماء والجهاد والحدود والأحكام والدعاوى ، والتاسع في النفقات والوصايا والأروش والجراحات والمواريث ، والعاشر في السلوك والتاريخ ، والحادي عشر في جانب من التاريخ العماني وذلك منذ بداية الدولة البوسعيدية وإلى الأحوال الواقعة بعد موت الإمام الخليلي ، وهذا الجزء لم يطبع إلى الآن .
ثانياً: كتاب ( غاية المأمول في علم الفروع والأصول) يقع في تسعة أجزاء كلها مطبوعة من قبل وزارة التراث والثقافة بالسلطنة في عام 1404هـ-1984م يقول في مقدمته لهذا الكتاب : " فهذا كتاب عنيت بتصنيفه وتهذيبه وبجمعه وترصينه وتبويبه ، ألّفته من كتب أصحابنا الأخيار ، الذين لا يلحق لهم في المكرمات غبار ، وأكثر ما فيه عن الثميني الثمين ، وقطب الأئمة والشيخ خميس ونور الدين ، وقد اعتمدت في الأقوال على ترجيحهم ، وعوّلت في تصحيحها على تصحيحهم ، لقصور باعي عن مجاراتهم ،وضيق حالي عن مباراتهم، إلى أن يفتح الله وهو خير الفاتحين ، جمعـت فيه من أصول العلم وفروعه ما يحتاج إليه المبتدي ، ويرغب فيه المنتهي ، والقصد خدمة العلم الشريف ، وابتغاء ما عند العزيز اللطيف ، اسأل من رأى فيه عيبا أن يبادر إلى سدّه ، ومن رأى فيه خطأ أن يسارع على ردّه ، فإني ما قصدت إلا تدوين الحق وتحقيقه ، واتباع الهدى وتأليفه وطريقه ، وذلك شئ زاغ له الفهم أو زلّ به القلم ، والباطل مردود والحق متّبع ومقصود ، وسمّيته " غاية المأمول في علم الفروع والاصول " والله حسبي ونعم الـوكيل ولا حـول ولا قوة إلا بالله " .
وهذا الكتاب ليس كسابقه نظماً ، وإنما هو نثر ، احتوى الجزء الأول منه على علمي أصول الدين وأصول الفقه ، والثاني في الطهارات والصلاة ، والثالث في الزكاة والصوم والحج والأيمان والكفارات والذبائح والحقوق ، والرابع في النكاح والطلاق ، والخامس والسادس وجانب من السابع في المعاملات ، وما بقي من السابع في أحكام الوصايا ، وجاء الثامن في القضاء وما يتعلق به من أحكام الدعاوى والشهادة والصلح ، والتاسع في أحكام الإمامة والديات والجراحات والحدود والميراث ، وهذا الكتاب وغيره من مؤلفات الشيخ محمد جليلة القدر عظيمة النفع ، يقول الشيخ الفقيه الأديب خالد بن مهنّا البطاشي في مقدمته لكتاب غاية المأمول في هذا السياق : " وإذا تتبعت مؤلفاته هذه وجدت أنها خلاصة دراسة فاحصة ، وتفكير دقيق ، لخصّها من أمهات الكتب القيمة والموثوق بها ".
يعدّ الشيخ البطاشي من كبـار القضاة في محكمة الاستئناف بمسقط ، يجلّه زملاؤه ويعترفون له بالأسبقية في معرفة الأحكام وفصل النزاع ، ويرجع إليه القضاة من مختلف المناطق لأخذ رأيه في بعض مسائل النزاع والخصومات ،وهو وإن كان معروفاً بشدة الاختصار في تسبيب الأحكام ، ولكنّه اختصار غير مخلّ ، حيث يجمع كلام المتداعيين وطلباتهم وما ينتهي إليه الحكم الشرعي في كلمات موجزة ، ومع هذا فإنّ الأمر إذا اقتضى توسّعا وبسْطا في القول فتجده مستعدّا لما يتطلب ذلك ، فيتّسع صدره للإسهاب ، ويسيل قلمه للإطناب ، ومن الأمثلة على ذلك هذا الحكم الذي صدر في 1/صفر1407هـ وسأذكره بنصه مع حذف أسماء الأشخاص وبعض الأماكن ،لأنه لا داعي إلى ذكر ذلك.
" في اليوم الأول من شهر صفر 1407هـ وصلنا وادي ..... للنظر في الدعاوى المستأنفة منها الدعوى القائمة بين أهل ...... وأهل ......من وادي ...... التي ادعى أهل ..... فيها أنّ أهل ...... يحاولون تصريج فلج البلاد من ..... في بطن الوادي وأنّ هذا التصريح يضرّ بفلج ..... لأنّ الفلجين من واد واحد ومجراهما واحد وأجاب أهل .....قائلين:إنّ الفلجين بينهما مسافة بعيدة وبينهما فلجان آخران هما فلج ..... لبني ...... وفلج ............ وأنّ أهل ......... لازالوا يصرّجون أفلاجهم في بطون الأودية ولم يقع إنكار من بعضهم على بعض وذلك أمر مشاهد ،فقد صارت سنّة قديمة ، هذا قول هؤلاء وأولئك ، وقفنا على مكان الدعوى وتأملنا موضع النزاع ورأينا المكان الذي يحاول أهل ....... وضع الصاروج فيه ،وقسنا مسافة ما بين الفلجين ، فإذا هي مقدار اثني عشر ألف ذراع أو أزيد، فرأينا إحالة هذه القضية إلى الأثر وإلى النظر فنقول:إنّ الموجود في أثر الأصحاب رحمهم الله أنّ الفسْح عن الأفلاج لمن يريد إحداث فلج أو بئر قرب فلج سابق قيل :خمسمائة ذراع وقيل : ثلاثمائة ذراع ، وقيل : مائتا ذراع ، وقيل: أقلّ من ذلك ،وقيل: حتى تصحّ المضرّة ، قال موسى بن علي : لا يمنع أحد عن الحدَث حتى يعلم أنه حدَث بنقص النهر أو البئر ، وهذا في إحداث فلج قرب فلج ،والصاروج لا شكّ أنه أقلّ ضررا من ذلك ، وقال الصبحي : في أفلاج مخرجها من واد واحد وبعضها أسفل من بعض، مثل أفلاج سمائل أراد أهل فلج تصريج ساقيتهم من حدّ معقد الفلج هابطا إلى أموالهم ،فأنكر عليهم أرباب الفلج الأسفل ،وادعوا أنّ ذلك يضرّ بفلجهم ما الحكم ؟ قال : إني لم أحفظ في هذا شيئا وأرى الصاروج مباحا في الأفلاج بإذن أربابها إلا أن تمنع من ذلك حجة، أو تحجره سنّة متقدمة، أو تبيَّن على أهل الأفلاج مضرّة ، هذا نصّ وملخّص ما في الأثر ، والذي نقوله : إن مثل هذه المسائل لم يرد فيها نصّ من كتاب نعلمه ولا من سنّة ،إنما أخذت من قوله صلى الله عليه وسلم :" لا ضرر ولا ضرار في الإسلام "، فالعلماء الذين قالوا بالتحديد بالذراع إنما اعتبروا المضرة ، فمنهم من رأى أنّ بعد المائتين لا يكون ضرر ، ومنهم من رأى بعد الثلاثمائة ، ومنهم من رأى بعد الخمس المائة إلى غير ذلك ، وربما أنّ البقاع تختلف ، وكل قائل يقول : أعتبر الضرر بحسب المكان ، ومن العلماء من اعتبر المضرة ولم يعتبر الذرع ، ومنهم من اعتبر الذرع ولم يعتبر المضرة بعد الذرع ، كمسألة فلج ....... وفلج ......... فإنهم لم يعتبروا مضرة فلج ....... لأنها بعد الفسْح الشرعي ، ولعل قائل هذا القول اعتمد على أنّ المضرة يمكن وقوعها بسبب آخر ، ولكل قائل رأيه، لكن الذي نقوله ونراه في هذه المسائل: هو اعتبار المضرة فقط ، إذ ليس لأحد أن يصلح نفسه بمضرة غيره وهو الذي يرشد إليه الحديث ،ثم إنّ مجاري المياه في الأرض تختلف فمنها ما تكون المضرة فيه بأبعد من الذرع المذكور ، ومنها ما لا تكون فيه مضرة ولو في عشرة أذرع ، فلأجل ذلك ينبغي أن يعوّل على حدوث المضرة ، والذي نقوله في فلج ....... وتصريجه :إنا لا نقوى على منْع الصاروج لأنّ المسافة بين الفلجين بعيدة جدّاً وبين فلج ....... وفلج ..... فلجان آخران فحصول المضرة على الفلج الثالث بعد اثني عشر ألف ذراع مستبعدة في العقل، فإنّ أهل ...... لو لم يصرّجوا فلجهم وجعلوا في بطنه المدَر مثلا فما يكون مقدار الماء الذي يتسرّب من المدَر ويقطع هذا المسافة ويتجاوز فلجين حتى ينصبّ في الثالث ، والساقية عرضها مقدار ذراع ونصف ، وعرض الوادي أزيد من ثلثمائة ذراع ، والماء متفرّق في عرض الوادي ، هذا شيء يستغربه العقل ولا يقبله ، وأيضا فإن أفلاج وادي ..... أغلبها أفلاج خصْب كهذين الفلجين، فإذا جاء الخصْب وكثر الماء جرت الأفلاج ،وإذا انقطع الخصْب يبست الأفلاج ،هذا أمر واقع مراراً، فلا تقاس هذه الأفلاج على أفلاج سمائل لأمور ، منها : بُعْد المسافة وأفلاج سمائل متقاربة ، ومنها : إنّ أفلاج سمائل عِدّ وثوابت وهذه أفلاج خصْب ، ومنها : إن وادي سمائل واد غير واسع كوادي الطائيين ، وماؤه مجتمع في مكان واحد ووادي الطائيين واسع جدّا والماء متفرّق في باطنه غير مقصور على الذي يأخذه ممرّ الساقية، وبطن الوادي حصى صغار دقيق ورمل له عمق كثير ، فإذا جاء الخصْب طفا الماء فوق ظهر الوادي، وإذا تباعد السيل نزل الماء إلى أسفل، وإذا طال المحل يبس أصلا ، لذلك لا يتأثر بالصاروج إنما يتأثر بالمحل، ولا يمكن قياس الأفلاج بعضها على بعض ،ولا قياس المواضع على بعضها بعضا، لكنّا مع إباحة التصريج لأهل ...... يشرط عليهم أن لا يعمّقوا الساقية وأن لا يعترضوا بها الوادي، بل يمضون بحافّة الوادي ،فإن أرادوا عطفها حيث منبع الماء فبغير الصاروج، بل بما كان عليه الحال من الطين والمدَر ومع ذلك تستثنى المضرة ، فإن وقعت مضرة بأهل الأفلاج السفلى فالضرر مزال ، وقد وجدنا أهل وادي .....يصرّجون أفلاجهم في بطن الوادي من قديم ولم يقع إنكار إنما وقع الإنكار في هذا الزمان فقط لـمّا كثر التحاسد فكأن ذلك سنّة لديهم ، ولو ساغ لأهل ..... إنكارهم تصريج أهل ...... لساغ لأهل ..... منع أهل ...... من ذلك, لأنّ الماء من ...... إلى .......متصل غير منقطع ،هذا ما توصلنا إليه في هذه القضية والله الموفق لإصابة الحق ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا وقد صحبته في معاينة بعض الدعاوى النظرية المستأنفة في ولاية قريات , .
كان مرجعا للقضاة يسألونه ويباحثونه، ويفدون إليه، ويتصلون به هاتفيًا.
كتبت بحثا عن حياته الشخصية والقضائية ، وهو منشور، ولماّ أردت الذهاب إلى الأردن لدراسة الماجستير في الجامعة الأردنية عام 1418 ه / 1998م اتصلت به هاتفيا لأودّعه فقلت له: إنا ذاهبون إلى الأردنّ للدراسة ، فقال : ماذا تدرسون ؟ كتاب النيل للشيخ القطب؟ , وذلك لحرصه الشديد على التفقّه في الدين , ودراسة الشريعة وآثار السلف الصالح , فهو كغيره من مشائخنا لا يعيرون اهتماما دراسة الشهادات ولا ألقابها , فهم بقيّة السلف وآثار الرعيل الأوّل , رحمهم الله , ووفّقنا لخطو آثارهم الحميدة ومواطئهم السديدة .
وفاته:
لطالما ردّد الشيخ محمد بن شامس مراراً عديدة هذين البيتين من شعره.
لاهُمَّ أسألك الشهادة إن دناآنُ انقضـا أجلي وحُمَّ مماتي
فأموت في كرم كموت أئمتيبلْج ومرداس وذي الثفَنات.
ثم يستدرك ويقول لم يشأ الله لنا نيل الشهادة فنموت في الجهاد, حتى يكون موتا كموت بلْج ومرداس وذي الثفنات ويعلم الله أنا جاهدنا وطلبنا الموت في سبيله ولكن فلا أقل من أن نسأل الله حسن الخاتمة.
يقول ابنه الشيخ حارث :
"كان من عادة الوالد رحمه الله أنه لا ينام إلا على طهارة فإذا صلى النوافل والوتر ،جلس ما شاء الله له في مطالعة كتب الأثر أو في الاستغفار والتسبيح ،ثم ينام على وضوئه السابق ،فلمّا كان قبل وفاته بحوالي الشهرين جعل يتوضأ وضوءاً آخر قبيل النوم مباشرة ،وكان يقول: أنوي به الطهارة للموت ،وقد بدت عليه علامات الإحساس بدنو الأجل فأوصى بالواجب والمندوب ،وكأنّه مودّع الدنيا من الغد ،ولم يفته أن يوصي حتى باللباس الذي عليه ،فأوصى بالعمامة أن لا ترمى ولا تمزّق ولا تهان ، ولكن إن ضاق بكم الفضاء فادفنوها فإنها شعار أهل العلم وتاج العلماء ، وكان قد اتخذ دفتراً لوصاياه وللذي له وللذي عليه ،فلمّا كان في أيامه الأخيرة صار الدفتر قريباً من منامه ويسجّل فيه ما يستجدّ ساعة بساعة وإن كان حقيراً في نظر الناس كالريال والريالين ، وصلى يوماً ثم رأى أثر دم في ثوبه عند النوم فقام من ساعته يقضي صلوات يومه ذاك ولم يؤخّرها للصباح خشية الموت .
كلّ هذه الأحداث كانت في أيامه الأخيرة ،فلمّا كان قبل وفاته بيومين رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يبتسم له ويسلّمه مفتاح بيته في الجنة ،فاستبشر بها الوالد خيراً، فلمّا كان اليوم الذي بعده سمعته يؤذّن بالمسجد وما سمعته أذّن قبل ذلك اليوم ،وكان آخر يوم من رمضان ،وفي صبيحة يوم العيد غرّة شوال سنة 1420هـ/2000م خرج بالناس للصلاة فأمّهم ثم أمرني بالخطبة وأخذ يسار المحراب ،ولم تمض دقائق إلا وسقط على الأرض وقد غادرت روحه جسده على وضوئه وفي محراب صلاته وأمام يدي ربه ".
هذا وقد رثاه مجموعة من الأدباء ، وبلغني نعيُّه وأنا بالأردنّ سنتين , وكنت قد اتصلت به هاتفياً قبل ليلة من وفاته لأهنّأه بتمام الصيام والعيد فتأثّرت لوفاته شديد التأثر ، فرثيته بهذه القصيدة :
مصاب العلم يثكل كـل نفسويؤلمهـا بحسّي ونـفسـي
مصاب العلم يـورثها ظلامـاًلأنّ الجهل مجمع كـل نحس
مصاب العلـم يجعلهـا تهاوىبلا وعي كأن منيت بركس
وهذي الأرض دون العلـم حيرىتخبَّطُ في المهاوي قيْـد مـسّ
فقـيمتها بقـاء العلـم فيهـاودون سواه لا تسوى بفَلْس
وعلْم الشـرع سيّـد كل علممصـادره لعـدل الله ترسي
ينيـر الـدرب في ظُلـَم اللياليوينقذ أهله مـن أيّ تعـس
فـإن فُقـِدوا على الدنيا سلاموساكنها غـدا في مثل رمْس
ألا يـا أيّهـا الناعي تـرفـّقفوقْع الخطب هزّ كيان نفسي
نعيـت العلم إذ هـُدّت قـواهأطيـح بـركنه في يـوم أنْس
نعيت الفضل حين غدا صـريعاًصباح العيد بعد طلوع شمس
أشيخي يا ابن شامس المفـدّىبكتك عُمـان مـن ألم وبؤس
فمن أنـوارها قـد كنت حقاًومن أطوادها من غيـر لبـس
غدوت بها على كـرسيّ عدلسنيـنا تحكمـنّ بـدون بخس
تقول الحـق لا تبـغي سـواهولو كـرهته أنفس كل جبس
ورصّعتَ السلاسل مـن لُجَيْنبنظم فـاق سبْكا دون وكس
فذي موسوعة للفقـه أضحتهـدى المحتار إن يـمنى بغَلْس
كذا في غاية المأمــول فقه قرين أصوله قد صـرت ترسي
وكم أرشـدت حائـرنا بحج تبين لنا المناســك دون لبس
وكم من مشكلات في القضاياتحلّ عويصهـا مـن غير نبْس
يحج لك القضـاة بكـل وقتلتسـآل وكنت لهم كشمـس
فتسعفهـم بـرأي مستبيـنحصيف قـد أقيـم بخيـر أسْ
وكان لك الوقار شعار فضـلتخذت الصمـت أحسن أيّ لبس
وذا سمْت الملـوك عليك أضحىوهـدي الأنبيـاء عليـك يمسي
فنطقـك كـان مـوزوناً بحقبَعيـد الهـذْر يخفت مثـل همس
وكم لك من مناقب ليس تحصىفأعجـز أنْ أعـدّدها بطـرسي
قضيت العمـر في أحلى منـاهحليـف العلـم درساً بعد درس
تـزودت التقـى وازددت قدراًرفيعـاً لا يطـاول كالـدرفس
وذا نور البشـارة إذ تـراءىلك المختـار سيـّد كـل نفس
يشيـر لك المقـام تقـرّ فيـهلتهنا في الجنـان بخيـر أنــس
مضت يومـان ثم رحلت تبـغيلقـاء ليـس فيــه أي نـحس
وقد أديت فرض الصوم شهـراًوسـرت إلى المصلـى دون بـأس
تـؤمّ الناس عيد الفطـر صبحاًبيـوم الجائـزات بغيـر بـخس
وفي صحـن المصلى حان وقتتفيـض الـروح للمـولى بقـدس
هنيئـا شيخنـا جنات عـدنتـزيـّن حـورها للقـاء عـرس
وتدعـوك الـوصال بخيـر داريـدوم بها النعـيم بـدون بـؤس
مقـام الصالحيـن بها رفيــعوللعلمـاء منـزلـة وكـرسـي
بنيـه مع بنـي أرض الغبيـراعـزاء في الفقـيـد بـه التـأسي
فليس لنا سوى التفـويض حقاًفـذا أمـر قضـي من دون مكس
لقـد كتب الفنـاء على البراياويبقـــى الله ذو عِظَـم وقدس
فمَن بالفــوز قد خُتِمتْ حياةله فلْيضْـحَ في خيـر ويـمـسي
عليه ترفـل النعمـاء بــُرْداًبـدار ليـس فيهـا أيّ وكـس
بها مـن كـل مـا يهواه قلبومـا قـد تشتهيـه كـل نفس
فيا ربـّاه حقّـق لي ختـامـايكـون رضـاك يوم الحشر أنسي
15/11/1420هـ
20/2/200
المصادر:
•بدوي وآخرون ، دليل أعــــلام عمان ، ص114،
•البطاشي : محمد بن شامس ، سيرة حياته ، ص1 .
•........... سـلاسل الذهب ( كتاب السيرة وتاريخ عمان ) ، المقدمة بقلم الشيخ حارث بن محمد ( نجل المؤلف ) ، ص 46 .
•
•البطاشي ، محمد بن شامس ، رسالة في أنساب بني بطاش ، ص1-3 .
•البطاشي ، محمد بن شامس ، نماذج من أحكام وفتاوى الشيخ محمد بن شامس البطاشي ، ص 6- 8
•البوسعيدي ، حمد بن سيف ، قلائد الجمان ، ص394 ،
•التـنوخي : عز الدين ، مقدمة شرح مسند الأمام الربيع ، المطابع الذهبية ، روي ــ سلطنة عمان ج1 ص ط ،
•الحارثي , د. عبد الله بن سالم , أضواء على بعض أعلام عمان ، ص73-75 .
•الحارثي ، سالم بن حمد ,العقود الفضية ، ص265،
•الخروصي ، سعيد بن خلف ، الدر المنتخب في الفقه والأدب ،(ط2) ، 1420هـ /1999،(د . ن) ،ص6-7.
•السالمي ، محمد بن عبدالله , نهضة الأعيان ، ص472-473،
•السعدي ، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية ( قسم المشرق) 3/132-133.
•السيابي ، سالم بن حمود ، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان ، ص132 ،
•السيابي ، سالم بن حمود، رعاية الأحساب بحماية الأنساب ( مخطوط ) ص34-35.
•الكـندي ، سليمان بن مهنـا ، نفائـس الالبــاب في فـــن الأنســـاب ، ص 29 .
•الكندي ،سليمان بن سعيد , نشر الخزام ، ص104-107،
نقلا عن:
كتاب: معجم القضاة العُمانيين
تأليف: د.عبدالله بن راشد بن عزيز السيابي
رقم العَلم: 452
----------
محمد بن شامس بن خنجر البطاشي
(ت: حوالي 1420 هـ)
هو الشيخ العلامة القاضي محمد بن شامس بن خنجر بن شامس البطاشي، أحد أعلام علماء عمان في العصر الحديث.
ولد في المسفاة بلد بني بطاش سنة 1320 هـ.
تعلم في بداية أمره ببلده، ثم رحل إلى نزوى، وحل بجوار الإمام الخليلي.
تلقى العلم على المشايخ سيبويه زمانه حامد بن ناصر، والعلامة عبد الله بن عامر العزري.
كان آية في الذكاء والحفظ، وكان الإمام الخليلي معجبا به.
تولى القضاء ببلد قريات وفي نواحي عديدة أخرى.
صار قاضيا بمحكمة الإستئناف، وله مكانة جليلة في قومه لعلمه وخلقه.
نظم الشعر في سن مبكرة وله أشعار كثيرة في شتى الفنون الأدبية والفقهية.
له مؤلفات، كتاب "سلاسل الذهب" عشرة أجزاء، "غاية المأمول في الفروع والأصول"، كتاب "إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر"، وكلها مطبوع. منظومة في عدد أجزاء كتاب "المصنف" للشيخ أحمد بن عبد الله الكندي وله مثلها في كتاب "منهج الطالبين"، وفي كتاب "لباب الآثار".
توفي بعد عمر طويل في التأليف والتدريس والقضاء، في أول شوال سنة 1420 هــ.
المصادر:
•شقائق النعمان، 3/98
•قلائد الجمان، 394
نقلا عن:
كتاب: معجم أعلام الإباضية - قسم المشرق
تأليف: الدكتور محمد صالح ناصر؛ سلطان بن مبارك الشيباني
رقم العَلم: 1235
----------
الشيخ محمد بن شامس البطاشي
أحد أعلام عمان المعاصرين الشيخ العلامة محمد بن شامس بن خنجر البطاشي
ونسب بني بطاش يتصل بغسان القبيلة الأزدية خلافا للمشهور أنهم من طي وغسان من القبائل التي نزحت من اليمن بعد حادثة سيل العرم ونزلوا الشام واستوطنوا فيها دمشق وكانوا بها ملوكا إلى ظهور الإسلام ، وجبلة بن الأيهم هو آخر ملوكهم ، وبطاش هو لقب لأحد ملوكهم .
ولاته ونشأته
ولد القاضي ببلدة مسفاة بني بطاش بولاية قريات في الثاني عشر من صفر سنة 1330هـ توفي والده وهو رضيع ابن أربعة أشهر فكفله عمه المهنا بن خنجر وأخوه الأكبر عدي ابن شامس وهو رابع أخوته وأصغرهم سنا ولما بلغ من العمر سبع سنين قرأ القرآن الكريم على أخيه أحمد بن شامس ولم تمضي له أشهر حتى أتمه حفظا ثم أخذ في كتابة الخط وقراءة الكتب والشعر فحفظ من ذلك شيئا كثيرا معتمدا على ذاكرة قوية، مكنته من حفظ مائتي بيت من الشعر في اليوم الواحد، حتى انه حفظ ألفية الامام نور الدين السالمي في الأصول في خمسة أيام، كما كان يحفظ الجزء الواحد من القرآن في اليوم.
وكان أخوه أحمد بن شامس في صباه ذا فهم ثاقب وذكاء حاد ثم كان علامة نحريرا لا يشق له غبار في علم الآلة والعربية بل إنه كان منقطع النضير في زمانه وفي سنة 1343هـ سافر القاضي إلى نزوى بيضة الإسلام ومدينة العلم وعاصمة الإمامة وكان قد سبقه إليها أخوه أحمد وهناك نزل بساحة الإمام محمد بن عبدا لله الخليلي (رحمه الله) حيث أولاه عنايته ورعايته وقد أحس منه الإمام ذكاءا وقَّادا فقربه وأدناه وخصه من بين تلاميذه.
شيوخه
أخذ القاضي العلم عن كبار علماء عمان آنذاك وكانت نزوى جامعة العلوم في البلد ومقصد طلاب العلم يأتون إليها من أرجاء الوطن الكبير حيث يجدون بغيتهم فينهلون من علم تلك البحور وعلى رأس هؤلاء الأقطاب الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحمه الله وهو وإن لم يكن متفرغا للتدريس بحكم مسؤولياته تجاه الرعية إلا أن في ملازمته فائدة عظيمة فرجل كالإمام الخليلي لا يقضي وقته إلا في كل مفيد فقد كان متصديا للفتوى والاجتهاد ويهتم بشؤون العلماء وتلاميذهم ويسأل عن أحوالهم وإذا أحس من أحدهم فطنة وبديهة قرّبه وأدناه فكان القاضي (رحمه الله) ممن نال شرف هذا القرب من الإمام وكان الإمام يستعين بالقاضي في معرفة أنساب العرب وقد أطلق عليه الإمام لقب "نسابة عمان" وممن أخذ القاضي عنهم العلم الشيخ العالم حامد بن ناصر النزوي الملقب بسيبويه عصره فعنه أخذ علم النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والعروض والأدب عامة .
وأخذ عن الشيخ العلامة عبد الله بن عامر العزري الفقه وأصوله وأصول الدين والتفسير والحديث وعلم الكلام .
ومن شيوخه أيضا الذين أخذ عنهم العلامة الكبير أبو مالك عامر بن خميس المالكي والشيخ العلامة سعيد بن ناصر الكندي وغيرهم من العلماء المعاصرين.
وكان طول إقامته في نزوى لطلب العلم يروض نفسه على المكارم والأخلاق الحسنة فكان خير مؤدب لنفسه وخير معلم.
طرق أبواب العلم جميعها فدرس الفقه والأصول والحديث والتفسير وبرز فيها وقرأ النحو والأدب والشعر وله في النظم باع شاسع وإطلاع واسع أما علم الأنساب فقد أخذ منه بحظ وافر وله دراية كبيرة بقبائل عمان وبطونها ولا تسأله عن القبيلة إلا ويأتيك بنبئها.
ظل على كرسي القضاء في الفترة مابين 1356هـ إلى 1416هـ أي 60 سنة تخللتها فترات انقطاع بسبب استعفاء القاضي لأنه يرى القضاء وظيفة لا كالوظائف وإن من يتقلّد أمره فهو على خطر شديد إلا أن أطول الفترات المتصلة هي الفترة بين سنة 1390هـ إلى سنة1416هـ فعندما تولى جلالة السلطان قابوس بن سعيد الحكم طلب القاضي للقضاء وعيّن قاضيا للاستئناف في ديوان عام وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية،ورغم محاولات القاضي العديدة الاستعفاء بعد ذلك إلا أنه بقي في منصبه حتى عام 1416هـ .
وأول ولاية تقلّد قضائها ولاية قريات سنة 1356هـ ، ثم ولاه الإمام الخليلي قضاء حمراء العبريين ، وفي سنة 1361هـ تولى الإمام ولاية بدبد ووادي سمائل وكان قاضيا وواليا .
وتقضّى في وقت لاحق على ولاية جعلان ، كما تكرر تقلده قضاء ولاية قريات لمرات عديدة .
ومن خلال هذه الرحلة الطويلة في القضاء أصبح القاضي المرجع في شؤون القضاء وأحكامه لا تستعصي المسألة على أحد القضاة إلا ويجد لها الحل عند القاضي محمد بن شامس البطاشي .
وظل على هذا الحال حتى بعد التقاعد فكان القضاة يستفتونه ويشاورونه ويأتون إليه بالقضايا والأحكام فيبدي لهم رأيه فيها .
ولم يكن عمل القاضي مقصورا على القضاء فحسب بل تجاوزه إلى العمل المهني ، فكان مزارعا وفلاحا من الطراز الأول وقد أشتغل بالزراعة عمرا طويلا وغرس كثيرا من النخل والشجر وأصلح الفلج والسواقي وكان له اعتناء واسع بكل ما له تعلّق بالزراعة حتى بعد أن بلغ منه الشيب مبلغه كان يرتاح إلى ظل الشجر ويطيب له المقيل بين جنبات المزارع .
وما أبلغ ذلك المشهد عندما يأوي إلى الراحة من جهد العمل فيضع أداة العمل ويمسك بالقلم يسطّر به عبق العلم وشذا المعرفة .
أعماله الخيرية
بني القاضي عدة مساجد تقربا لله تعالى آخرها مسجد الحيطان ومن شديد حرصه رحمه الله على تنزيه المسجد عن اللغو وعن كلام الناس ،فقد ألصق بالمسجد بناءا آخر وجعله مجلسا خاصا بالمصلين وكان إذا صلى بالناس نقلهم من المسجد إلى المجلس ولا يسمح لهم بالجلوس في المسجد إلا للعبادة ،وكان يقول سنة استنها عمر بن الخطاب فنحن نقتدي به وننزه مسجدنا عن قيل وقال .
مؤلفاته
ترك القاضي للمكتبة الإسلامية ذخيرة وافية من الكتب الشرعية واللغوية وترك شعرا كثيرا ومن مؤلفاته:
1. سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب:
{ موسوعة إسلامية من عشرة مجلدات في مائة ألف بيت وأربعة وعشرين ألف بيت من بحر الرجز وهو بذلك أكبر وأضخم ديوان شعر في تاريخ النظم الإسلامي ، وقد فرغ من تلك الموسوعة في 3 سنوات، كان خلالها لا ينقطع عن مهام عمله، فإذا مر الشهران دون نظم بيت واحد، عوضه بنظم ألف بيت في يوم واحد }.
2. غاية المأمول في الفروع والأصول:
كتاب قيم في الفقه وأصوله وأصول الدين يقع في تسعة أجزاء ذكر فيه أبواب العبادات والمعاملات بشيء من التفصيل وهو من أنفع كتب الفقه وأجودها
3. إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر:
جمع هذا الكتاب مسائل الحج والعمرة والأحكام المتعلقة بهما وكل ما يحتاج إليه حاج بيت الله الحرام وقاصد زيارة قبر نبيه صلى الله عليه وسلم.
4. كشف الإصابة في اختلاف الصحابة:
يبحث في اختلاف الصحابة أثر مقتل عثمان بن عفان ومبايعة علي بن أبي طالب وما صاحب ذلك من حروب وفتن ويبحث في قضية التحكيم وأهل النهروان ويقارن سيرة بني أمية والعباس بسيرة أئمة الإباضية في عمان والمغرب.
5. تحفة الأصحاب على ملحة الإعراب:
منظومة في النحو والصرف اختصر فيها ملحة الإعراب للحريري في نظم سهل سلس.
6. نبذة عامة عن ولاية قريات .
تكلم فيها عن ولاية قريات وعن أهم قراها وبلدانها وذكر العلماء الذين تخرجوا منها وقادتها ورجالها والأبراج والقلاع والحصون الموجودة فيها وتكلم عن الأفلاج والحيوان والأشجار والأودية والجبال وغير ذلك.
7. رسالة في صلاة الجمعة :
تطرق في هذه الرسالة إلى بعض مسائل الخلاف في صلاة الجمعة من نحو موضع إقامتها وشروط وجوبها.
8. مجموعة جوابات:
جوابات لمن يرد عليه من سؤالات من العامة والخاصة وكثير من هذه الجوابات شعر ولم يقدّر لها أن تجمع في كتاب واحد .
9. ديوان شعر:
يتألف من مجموعة قصائد من أغراض الشعر العديدة
10.سيرة ذاتية:
كتبها عن نفسه وحياته وعرف بنفسه فيها وذكر مراحل تعليمه وشيوخه والأعمال التي تقلدها والصعاب التي واجهها وتكلم عن الفترة التي أعقبت موت الإمام الخليلي وموقفه منها.
11. كتاب في أنساب أهل عمان ألفه بالاشتراك مع بعض أشياخ العلم.
شعره
قال القاضي الشعر وهو في سن الصبا ويمتاز شعره بالسلاسة والعذوبة وبالجزالة والرصانة لم يترك بابا من أبواب الشعر إلا وطرقه حاشا باب الغزل والمجون.
ومن أوليات شعره هذه القصيدة التي قالها مخاطبا قومه حال توجهه لطلب العلم بنزوى ومقامه في كنف الإمام الخليلي رحمه الله وسنه يومئذ أربع عشرة سنة.
أول قصائده
يا رائحا باليعملات وغادي
يطوي المفاوز من ربى وهاد
أبلغ بني بطاش أن محمدا
ساع إلى كسب العلوم وغادي
من كان يسعى لاكتساب معيشة
ويبيت فوق أرائك ووساد
فأنا إلى طلب المكارم لم أزل
أسعى بهمة ماجد نقساد
ما إن تراني والمهيمن مغرما
بجبين فاطمة وعين سعاد
سأحالف الخلوات في ظلماتها
وأواصل الأرقال بالآساد
وأهين هدبي في طلب العلى
حتى أحصل بغيتي ومرادي
فليهنا قومي بالدنا إني امروء
قد بعتها بخسا بسوق كساد
الموت (في رثاء الشيخ العزري)
الموت حتم فما عنه لنا هرب
ولو تطاولت الأعوام والحقب
في كل آن وحين تسمعن لقد
أودى سعيد وعمر زاده العطب
وهكذا جرت الأقدار لا أحد
يبقى فقس ما بدا فالعمر منتهب
كلامنا (أرجوزة في النحو)
كلامنا لفظ مفيد ركبا
كجاز عمار وكمر نكبا
وهو إلى اسم وفعل قسما
وحرف معنى نحو عمرو قد سما
فالاسم بالتنوين والجر والندا
ميز وتعريف واسناد بدا
والفعل بالسين وسوف قد وتا
قمت وقامت نون قاربن الفتى
كيف يقضي يومه
يبدأ الشيخ يومه من ساعات الصباح الأولى وقبل تباشير الفجر الأول فيتوضأ ويصلي ما شاء الله ثم يطالع كتب الأثر ويكثر من التسبيح والاستغفار ويبدأ ورده اليومي من القرآن الكريم وكان قد اتخذ وردا يوميا يقرأ فيه عشرة أجزاء من القرآن الكريم حتى إذا ما أذن للفجر قام وصلى سنة الفجر بالبيت ثم يذهب للمسجد ويصلي بالناس الفجر وبعد الصلاة يعقد حلقة لقراءة جزء واحد من القرآن مع مجموعة من المصلين ثم يعود للبيت ويطالع في الكتب إلى شروق الشمس فيفد عليه أصحاب الحاجات من مستفتين ومن خصوم ومن متعلمين ثم يدعو بالإفطار فيشاركه الحاضرون الأكل ثم يغتسل ويتوضأ ويستعد للذهاب إلى المحكمة وفي الطريق من البيت إلى المحكمة يقرأ جزءا من القرآن الكريم وكذلك في طريق العودة ويظل بالمحكمة حتى يصلي الظهر ولا يقتصر وجوده بالمحكمة على فصل القضاء بل يرد على أسئلة المستفتين من القضاء وطلبة العلم وعامة الناس ثم يعود للبيت ويطالع في الكتب ثم يتناول الغداء ويضطجع قليلا وأحيانا يزعجه الناس عن الراحة بعدها يخرج لصلاة العصر ثم يعود للبيت فإن كان ثمت أناس استمع إليهم أو أنه يشتغل بورده وبالمطالعة ولا يخلو هذا الوقت غالبا من الناس فإذا كان وقت المغرب خرج للمسجد ثم يعود للبيت وهذا الوقت مزحوم بالناس ونادرا ما يجد فراغا للمطالعة ، فإذا حان وقت الصلاة خرج القاضي للمسجد وربما آذن الجالسين معه بضرورة مغادرته للمجلس فإن بعض الناس لا يفقهون ذلك ويواصلون حديثهم إلى وقت الصلاة.
وزوار مجلس القاضي رحمه الله على مراتب ودرجات : فهناك العلماء والقضاة ومن في حكمهم من طلبة العلم وهؤلاء لهم منزلة خاصة عند الوالد ويستبشر بقدومهم ويقربهم ويدينهم ويأخذ معهم أطراف الحديث وجل كلامه معهم في مباحث العلم.
وهناك علية القوم والشيوخ والرؤوس في جماعتهم ومن في حكمهم من أصحاب المناصب والكراسي وهؤلاء يعرف القاضي قدرهم ويحفظ لهم منزلتهم ويكون حديثه معهم عن قضايا المجتمع وهموم الأمة وعن النزاعات القبلية ومحاولة إيجاد الحلول لها.
وهناك الخصوم وأصحاب النزاعات وهؤلاء يحاولون حل مشاكلهم وخصوماتهم عند القاضي قبل بروزهم للمحكمة وكم من قضايا لم تعرف طريقا للمحكمة بفضل إصلاح القاضي للمدعين بل إن كثيرا من الناس والقبائل تعارفوا بينهم على رفع دعواهم للقاضي قبل أن يترافعوا أمام المحاكم تقديرا له وثقة فيه.
وهناك أصحاب الحاجات وهؤلاء إما تكون حاجتهم مقضيه عند القاضي أو أنه يسعى بنفسه لدى الجهات المختصة لقضائها.
وهناك المستفتون وأصحاب السؤالات وهؤلاء غايتهم جواب يروي ظمأهم ويرفع الإشكال عن إفهامهم .
هؤلاء هم عموما جلساء القاضي وزواره وعمار مجلسه ومعهم يقضي أغلب وقته.
وربما تواصل المجلس إلى ما بعد صلاة العشاء فإذا انفض سامر القوم قام القاضي وصلى النوافل واتبعها الوتر ثم يطالع الكتب ويكمل ورده اليومي من القرآن الكريم وينام في ساعة متأخرة من الليل ويصحوا في الساعات الأولى من الصباح ومجمل ما ينامه في اليوم والليلة ثلاث ساعات.
هكذا يقضي القاضي يومه وقد يأتي عليه وقت يخالف فيه النظام المذكور لا سيما بعد صلاة العصر ففي هذا الوقت يخرج أحيانا من البيت لأداء بعض الواجبات كالزيارات والتعازي.
وبعد التقاعد لازم القاضي البلد واستقر بالمسفاة فنالت حظا باستقراره فيها وصارت قبلة الوفود وكعبة القصاد ومع إن الناس تعارفوا أن التقاعد يعقبه وقت الراحة والاسترخاء وتناقص العطاء إلا أن القاضي لم يكن يعرف هذا المعنى فتواصل عطاؤه كما كان واستمر في إسداء المشورة والنصح والإصلاح كما بقي مرجعا للقضاة لكل ما يشكل من قضايا .
[حياته]
كان يعيش حياة متواضعة بعيدة كل البعد عن صخب الدنيا وزخرفها فكان ينام على الأرض ويترك السرير زهدا فيه ويلبس ما تيسر من الثياب ويأكل ما حضر ويسكن في بيت متواضع ولا يخرج للأسواق ولا يذهب للنزهات ولا يشاهد التلفاز وكان يعد أحسن ما فيه مضيعة للوقت بل إن بيته الذي بالبلد لم يكن به تلفاز إطلاقا.
حيث ترك أبوابا كثيرة من الدنيا بغضا فيها وتعففا عنها ولو أراد عرضها كما أرادها غيره لكانت يديه ولكنه قنع منها بالقليل.
وفاته
يقول ابنه الحارث لطالما ردد سيدي الوالد مرارا عديدة هذين البيتين من شعره:
اللهم أسألك الشهادة إن دنا
آن انقضا أجلي وحم مماتي
فأموت في كرم كموت أئمتي
بلج ومرداس وذي الثفنات
ثم يستدرك ويقول إن لم يشأ الله لنا نيل الشهادة فنموت في الجهاد حتى يكون موتا كموت بلج ومرداس وذي الثفنات ويعلم الله أنا جاهدنا وطبلنا الموت في سبيله ولكن فلا أقل من أن نسأل الله حسن الخاتمة.
كان من عادة القاضي رحمه الله أنه لا ينام إلا على طهارة فإذا صلى النوافل والوتر جلس ماشاء الله له في مطالعة كتب الأثر أو في الاستغفار والتسبيح ثم ينام على وضوئه السابق فلما كان قبل وفاته بحوالي الشهرين جعل يتوضأ وضوءا آخر قبيل النوم مباشرة وكان يقول أنوي به الطهارة للموت وقد بدت عليه علامات الإحساس بدنو الأجل فأوصى بالواجد والمندوب وكأنه مودع الدنيا من الغد ولم يفته أن يوصي حتى باللباس الذي عليه فأوصى بالعمامة ألا ترمى ولا تمزق ولا تهان ولكن إن ضاق بكم الفضاء فادفنوها فإنها شعار أهل العلم وتاج العلماء وكان قد أتخذ دفترا لوصاياه وللذي له وللذي عليه فلما كان في أيامه الأخيرة صار الدفتر قريبا من منامه ويسجل في ما يستجد ساعة بساعة وإن كان حقيرا في نظر الناس كالريال والريالين وصلى يوما ثم رأى أثر دم في ثوبه عند النوم فقام من ساعته يقضي صلوات يومه ذاك ولم يؤخرها للصباح خشية الموت.
كل هذه الأحداث كانت في أيامه الأخيرة فلما كان قبل وفاته بيومين رأى النبي {صلى الله عليه وسلم } في المنام يبتسم له ويسلمه مفتاح بيته في الجنة فاستبشر بها الوالد خيرا فلما كان اليوم الذي بعده سمعته يأذن بالمسجد وما سمعته أذن قبل ذلك اليوم وكان آخر يوم من رمضان وفي صبيحة يوم العيد غرة شوال سنة1420هـ خرج بالناس للصلاة فأمهم ثم أمرني بالخطبة وأخذ يسار المحراب ولم تمضي دقائق إلا وسقط على الأرض وقد غادرت روحه على وضوئه وفي محراب صلاته وأمام يدي ربه فيالها من ميتته كميتة مرداس وذي الثفنات فإنهم نالوا الشهادة في صلاتهم وقد تمنى الوالد الشهادة وتمنى أن يموت كميتتهم فعسى أن يكون في زمرة الشهداء.
فأضت روحه إلى بارئها بعد رحلة دامت 90 عاما قضاها في خدمة الإسلام بالسيف والقلم فرزء الإسلام بفقده وجلت علينا مصيبته. وما كان لنا إلا الصبر والسلوان والتسليم بالقضاء والقدر.
وقد رثاه شعراء كثيرون منهم الشيخ ناصر بن سالم بن سليمان الرواحي الذي رثاه بأبيات وهذه بعضا منها:
عبر تترى على أثر عبر
كل حين تتحدى للبشر
وما همهم إلا البقا
في حياة ما لها أدنى قدر
أمل مرد وعيش عامر
وسرور بعده يأتي كدر
كسحاب خلب بارقه
هذه الدنيا فبئس المستقر
لم يسالم جاهلا في غيه
لا ولا عالنا الحبر الأبر
كم فتى ما بين أهليه ثوى
حين وافاه الحمام المنتظر
كأبي الحارث نبراس التقى
علما ناهيك من قوم خير
شب ما عاش بأحضان الوفى
وتربى في بساتين الأثر
خدم العلم وأهليه على
أمل الخير ككنز مدخر
منهل يرتاده من بعده
طالب العلم فنعم المتجر
يا سمي المصطفى أوحشتنا
بعد إيناس فضاق المصطبر
من لهذا العلم يبني صرحه
عاليا يا من غدا رهين الحفر
يا فقيد العصر يا أوحده
يا عميد الشرع في بعد النظر
دعوة لبيت داعيها فلم
تكن الأبي متى حم القدر
يا أبا الحارث خلفت الأسى
بين أعداد ملايين البشر
يا أبا الحارث أظلمت الدنا
بعد إشراقك إشراق القمر
اسفى لو كان يجدي الأسف
لفقيد رزؤه إحدى الكبر
رزؤه للدين صدع ما له
قط من رأب مدى كر وفر
أمة الإسلام صبرا إننا
أمة بالصبر يهنانا الظفر
أسرة المفقود دمعي بالأسى
يسبق السحب بثجاج المطر
لكم حسن العزا من فاقد
مثلكم ما آض برق في السحر
نسأل الله له من فيضه
رحمة تترى بحسن المستقر
بجوار المصطفى مع صحبه
في جنان بين دل وخفر
نقلا عن موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/656