الأعمال الكاملة لبدر العبري ج5
الجزء ١ · صفحة ١٣فزمن الأجيال إنما هو كفترة العصر في شدة انقضائه وذهابه، لذا عدم إدراك الأجيال لقيمة الوقت، وسوء تنظيمهم له، وإشغال الزمن باللهو واللعب كعنصر أساسي، والعمل والإبداع كعنصر ثانوي، لما غرس في نفوس الأبناء من استهتار بالوقت، وغفلة عن محدودية الزمن، بجانب الكسل والخمول، كلُّ هذا شر وداء يهدد تقدم المجتمع، ويرجعه إلى دائرة التخلف والرجعية، وإن تظاهر بالتقدم والتطور؛ فهو تقدم وتطور شكلي في شكل اللباس وقصاصات الشعر، وهندسة البيت وفخامة الأثاث، شأنه كالسراب، يحسبه تقدما وفي داخله التخلف والرجعية.
ومن جانب آخر عندما يقلب الواحد منا ورقات التقويم يجدها تتناقص سريعا يوما بعد يوم، كذلك زمن العام يتناقص سريعا في العام الواحد، وزمن العام لا يُقاس بعدد أيامه، وإنما يقاس بما أنتج الإنسان فيه، وبما يقربه من ربه جلّ وعلا، لأنّ هناك ورقة أخيرة سيقطفها أيّ واحد منا، وهي ورقة الوصال بالدار الآخرة، فنحن لا ندري أيّ ورقة من التقويم ستحظى بتأريخ انتقالنا بالدار الآخرة.
هنا نجد أنّ من أعظم النعم التي أنعمها الله على عباده، وأجلّها قدرا، وأرفعها منزلة، وأعلاها مكانة، نعمة الوقت والزمان، حيث أقسم به جلّ وعلا في كثير من آي القرآن، "والليل إذا يغشى"، "والنهار إذا تجلى"، "والليل إذا عسعس"، "والصبح إذا تنفس"، "والفجر، وليال عشر"، "والعصر، إنّ الإنسان لفي خسر".
أقسم الله – سبحانه - بالزمان ليعلم العباد أنّ حياة الإنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تتحدد، ودقات قلب المرء تشعره في كلّ لحظة، بأنّ الحياة دقائق وثوان، ولذلك قيل: المؤمن وليد وقته، وقيل أيضا: الوقت أنفاس لا تعود.
والأمم نفسها لن تتقدم في نواحي الحياة المتعددة إلا إذا أدركت أهمية الوقت والزمان، فاستثمرته لصالحها، فأتى إليها طوعا، وباستغلاله يفتح لها آفاق التقدم والرقي.