قطوف فكرية لبدر العبري ج1
الجزء ١ · صفحة ٤وما كان هذا الإتباع إلا رحمة لهذا الإنسان، به يترفع عن الخواء الفكري الذي يجعله يعيش في فراغ دامس، فتارة يقلد هذا ويتأثر بذاك، لا لشيء إلا لأنهم تفوقوا في جانب معين، أو اشتهروا لغرض رياضي أو فني أو علمي، فيصبح المجتمع وكأنّه لوحة تشكيلية ضمّت نقاطا متغيرة من الأشكال والأنماط، وقد يكون المقلَد منحرفا سلوكيا وخلقيا، وبعيدا عقديا وتصوريا، فكيف بالذي اختاره الله تعالى رحمة للإنسانية والعالمين جميعا، قال تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وقال أيضا: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
من هنا صرف الناس عن اتباع سيرته صلى الله عليه وسلم، والتمسك بمنهجه عليه الصلاة والسلام يوقع المجتمع في انحراف فكري وسلوكي، ويترتب على هذا الانحراف آثار اجتماعية وأمنية وتربوية واقتصادية، فمثلا تقول ليلى الحافي قبل أكثر من خمسين سنة، وذلك في مقدمة كتاب مشكلات الشباب لتشالرز دافي، والذي قامت بترجمته عام 1960 م: "وإنّه لمن بواعث أسفي وألمي معا هذه الموجة الطارئة التي قذفت بشبابنا إلى محاكاة وتقليد أبطال الشاشة البيضاء، من أمثال جيمس دين وبريسلي وباقي الممثلين الأمريكيين، إنّ ضياع شبابنا وعدم قدرته على شغل وقته بما يفيد وينفع يحملانه دائما على صرف وقته في توافه الأمور، كالتهريج الرخيص، والمبالغة في الظهور، والوقاحة في ملاحقة الفتيات والسيدات ومغازلتهنّ؛ بل أكثر من ذلك الانحدار إلى حمأة الجريمة، والهبوط الشنيع إلى هوة الرذيلة".