مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥كما كان لا يبخل بالحضور وإلقاء دروسه الوعظيَّة في المآتم والأفراح(1)، مُجيبا عن الأسئلة الدّينيّة التي يوجّهها الحضور إليه. وكان النّاس لنزاهته ووافر علمه يعدّونه قبلتهم في حلّ نزاعاتهم، ومرشدهم وهاديهم في الردِّ على اِستفساراتهم وما قد يُشكل عليهم من أمور دينهم ودنياهم. وكان يقضِّي، كما رَوى لنا كلّ من عاشره عن قرب، ليله في مكتبته، على ضعف إنارتها وكلل بصره، متجوّلا بين رفوفها يقرأ ويبحث عن مسألة أشكلت عليه أو يحقّق بها حديثا شريفا لبس أمره وغام، أو يكشف بها عن سيرة أعلام الفكر الإباضيّ المجهولة(2).
وهكذا يكون الشّيخ سالم بن يعقوب قد عكف طيلة حياته على جمع التّراث الإباضيّ، فنسخ الكثير من نصوصه ووثائقه، وأنشأ مكتبة بمقرّ سكناه بحومة غيزن وهي شاهد حيّ على قيمة المجهود العلميّ الذاتيّ الذي بذله. فمن مخطوطات مكتبة الشّيخ سالم كتاب السّير وأخبار الأئمّة لأبي زكريّاء يحي اِبن أبي بكر (ق 5 و 6 للهجرة/ 11 و12 للميلاد)، وهو كتاب يقع في جزأين(3). كما يعود للشّيخ سالم فضل اِكتشاف كتاب سير البُغطوريّ الذي كتبه زايد بن عمرو بن عمر بن إبراهيم بن سليمان الصّدغيّاني سنة 914 هجريّ الموافق لسنة 1507 أو 1509 ميلاديّ. وقد اِكتشف هذا المخطوط في خزانة البغطوربوالغ، وهي مكتبة أتلفت ولم يبق لها من أثر الآن(4). وبالمكتبة أيضا كتاب الطّبقاتلأحمد بن سعيد الدّرجينيّ (ق 7 للهجرة/
(1) -مازال تقليد الختمة، وهو حفل ختم القرآن في الأعراس وفي الفرق وهو في مقام تأبين الميّت، حفلا لختم القرآن. وهما مناسبتان تعرض فيهما مسائل دينيّة، ويتمّ التّحاور فيها بحضور جمع من النّاس، وينمّ عن جوّ من الحوار الفكريّ النّشيط، يقرّب مسائل الدّين الإسلاميّ من الحضور، ويبسّط لهم أمور دينهم.
(2) -حدّثني اِبنه المرحوم محمود بن يعقوب أنّ والده كان يصل اللّيل بالنّهار عاكفا بين علم وصلاة في مكتبته، وقد اِبتنى مكتبته بمحاذة منزله بغيزن، وأنفق في إعدادها مالا وفيرا ليوفّر الرّاحة العلميّة الملائمة، كما جعل منها مزارا ومقصدا للمختصّ والعاميّ من النّاس.
(3) -نقلا عن فرحات الجعبيريّ، ملامح عن الحركة العلميّة عند الإباضيّة بجربة من الفتح الإسلاميّ سنة 47 هجريّ إلى أواخر القرن الثّاني عشر ميلاديّ، طبعة 1، تونس، ج. م. ص للنّشر،1985.
(4) -نقلا عن فيرنر شفارتس، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين، تحقيق: فيرنر شفارتس والشّيخ سالم بن يعقوب، طبعة 1، لبنان، دار صادر، فرانز شتاينر بفيسبادن، النّشرات الإسلاميّة 33،1986. ص 45.