مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٥

تجلى في دور الإنسان الصحراوي في معادلة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بالمنطقة وفي ربط الشمال بالجنوب.

فهذه المجموعة البشرية تأقلمت مع ظروف الصحراء القاسية وتقوت بالشكل الذي حفظ لها كيانها وأمد في عمرها، تماما كما تواصل معها مجموعات بشرية صحراوية أخرى عديدة وتعايشت معها وإن شئت قل كان ذلك التعايش متبادلاً بالشكل الذي عزز من حركة وحيوية المجموعتين فالمزابيون استفادوا مما يجلبه الأعراب البدو من بضاعة تنتجها أغنامهم وإبلهم. وأفاد الأعراب من أسواق قرى مزاب كمكان لبيع تلك المنتجات واقتناء مختلف المصنوعات.

كما توضح لنا من هذا العرض الموجز الأهمية التاريخية والاجتماعية لدراسة مناطق الصحراء الكبرى، وضمنها القصور؛ إن الهندسة المعمارية لمختلف مرافق الحياة داخل قصور وفي واحات وادي مزاب، ترتكز أساسا على قواعد الشريعة الإسلامية في أبهى مقاصدها، من دفع الضرر قبل جلب المنفعة، ومراعاة الحقوق السترة وعدم فتح النوافذ على الجيران ووضع أبواب المنازل متقابلة، وفي البساتين تراعى الاتفاقيات الخاصة بتنظيم تقسيم مياه السيول التي تشق الشوارع بحيث يأخذ كل فلاح مقداراً محدداً من خلال فتحات محددة العدد ومقيسة الطول والعرض بحسب حجم المزروعات وعدد النخيل والأشجار ويسهر على مراقبة تلك الفتحات «أمناء السيل» قبل بداية موسم الأمطار في الخريف.

هذا وإن دور ومساهمة الصحراء في العلاقات الحضارية عبر العصور والأجيال أمر بديهي وواضح فالحركة التجارية للقوافل شمالاً وجنوبًا، ووجود مراكز عمران حضرية أسهم بقدر جليل في إقامة تلك العلاقات وفي تعزيز أمرها.

ولعل القراءة التاريخية والاجتماعية للتواجد الحضاري في منطقة وادي مزاب فما تزال بحاجة إلى دراسات معمقة لمكوناته الحضارية، تماماً كما تحتاج إلى تثمين نتائج تلك الدراسات في واقع الميدان وذلك بتشجيع البحوث حول الحضارات الإنسانية التي استقرت بأطراف الصحراء الكبرى بما سيساهم في إنقاذ الإرث الثقافي وإبراز الخصوصية الطبيعية والحضارية لساكنة الصحراء .. ؛ ويمكن تلخيص البحث في مجموعة من التوصيات منها:

* تثمين التواصل بين الباحثين المهتمين بشؤون العمارة الإسلامية في الواحات والصحراء الكبرى، وجمع ما أقيم حولها من دراسات قصد طبعها ونشرها، وعقد ملتقيات دورية تبحث هذا الشأن وتُعنى به، وتطعيمها بالزيارات الميدانية.

١٠٨ / ٣٤١