مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧٢وكان العمُّ ـ رحمه الله ـ «محمد بن الحاج عبد الله الخرفي» يزاول التِّجارة في «باتنة». والعمُّ هو المربِّي والوالد الرُّوحي، وصاحب الأفضال عليَّ في تحريري من مسؤوليّة التِّجارة، وتفريغي لطلب العلم رغم حاجته الماسَّة والملحَّة إلى ذلك»(1).
يقع حانوت عمُّ الشّاعر «صالح الخرفي» في قلب مدينة «باتنة» القديمة، في شارع «قامبيطا» سابقًا، أي شارع «الفدائيِّين» حاليا قبالة السُّوق البلدي المغطَّى والمسرح الجهوي. في حين كان السَّكن العائلي موجودًا في حيِّ «المعسكر»، وهو أقدم أحياء مدينة «باتنة».
لاشكّ أنَّ السنتين اللَّتين قضاهما الشَّاعر صالح الخرفي ـ رحمه الله ـ في مدينة باتنة قد تركت في نفسه أثرا طيّبا، رغم أن قصر مدَّة الإقامة لم تسمح بتوثيق الصِّلة بين المدينة وساكنها من جهة، وبين مدرسة «التربية والتّعليم» وتلميذها النَّجيب، من جهة ثانية. ولم يكن الشَّاعر جاحدًا ومتنكِّرا لجميل مدينة «باتنة» ومدرستها الحرَّة، ولأفضالهما عليه، إذ كيف ينسى الوليد أوّل ثدْي رضع منه أخلص لبن، وأنفس خُثارة؟ وفي قصيدة «إخوة وجوار» المحمولة في كتابه سابق الذكر «من أعماق الصحراء» يصوِّر لنا صورة ناصعة البياض عن تلك الأيّام الخوالي التي نهم فيها أحلى قطيرات نُسغ العربيَّة وأعذبه، وفيها يقول:
حيّ (تقرتَ) واحتسبْ لكَ أهلاَ … حيِّ (بسكرةَ) بعدَها، حيِّ (باتنة)
هي مرعى الصِّبا، وبين يديه … لحروف الهجاءِ، أصبحَ معنى
كان شيخًا من (القبائل)، فردًا … خضَّبَ الشَّيب بالوقار، وحنَّى
لقَّبوه (القمقوم) لفتة عزٍّ … وهو، في العزِّ، بـ (ابن عيسى) يُكنَّى
جمعتني به بـ (باتنة) الأمس … صفوفٌ، في دوحة العلم، تُبنَى
من مغاني (جمعيَّة) هالها القُطرُ … فهبَّت تبنيه، رُكنًا فرُكنا
وهو في (بُرْنُس) الوقار، يُداري … فلذات الأكباد، حسًّا ومعنى
ذاك شيخي، من (أيت داود)، سلني … بذرى (جرجرا)، ألا أتغنَّى؟؟(2)