مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤حوصلة واستنتاجات:
يتبيَّن لنا من خلال هذه المتابعة الوجيزة أنَّ الحضور الإباضي في مدينة «باتنة» وضواحيها كان حضورًا متواصلاً، لم يعرف الانقطاع منذ عهد الدَّولة الرستميَّة، ولو تباينت شدَّة وتيرته بين زمن وآخر، وأنَّ تعاقب الأيَّام لم يزده إلاَّ تكثُّفا وتفاعلا. ويظهر أنَّ العلاقة الوطيدة بين الإباضيِّين والأوراسيِّين هي كما عبَّر عنها «الشَّيخ بكير بن محمد الشِّيخ بالحاج» في الرِّسالة التي بعث بها إليَّ علاقة ذات جوانب عديدة.
وأمَّا أهمُّ الاستنتاجات التي نبلورها، فهي:
1 ـ إنَّ الحضور الإباضي في نواحي «باتنة» من قرى ومداشر كان أسبق من المجيء إلى «باتنة» ذاتها لكونها مدينة متأخِّرة النَّشأة والتّشييد.
2 ـ إن موقع وبساطة مدينة «باتنة» التي جمعت بين الطَّابع الرِّيفي المتواضع، والتَّمدُّن الحضاري المعتدل، شجعت الإخوة الإباضيِّين للتوافد عليها، والعيش بين سكَّانها الذين يأنسون بغيرهم في هدوء وسكينة.
3 ـ إنَّ الوجود الإباضي في مدينة «باتنة» وضواحيها لم يكن منمَّطًا من حيث أهدافه وغاياته، كما يُعتقد ويُختصر في الجانب التِّجاري دون غيره من الجوانب الأخرى، وإنّما كان ـ فضلا عن ذلك ـ وجودا علميًّا وتعليميًّا وتربويًّا وتعارفيًّا وتثاقفيًّا وتعاونيًّا، ومن أجل مؤازرة الثّورة يوم أن دقَّت ساعتها أيضًا.
4 ـ لم يكن إسهامُ الإخوة الإباضيِّين في مدينة «باتنة» وضواحيها بارزًا في مجال الحركة الإصلاحيَّة، التي تحرَّكت عجلة نشاطها في مطلع ثلاثينيَّات القرن الماضي؛ لانشغال رجال الإصلاح الإباضيِّين الذين توكل إليهم هذه المهمَّة بالدَّرجة الأولى بالعمل الإصلاحي في الجنوب الجزائري، ولوجود من أعفاهم من هذا الواجب من أبناء المدينة وضواحيها، وممَّن جاؤوها من مناطق أخرى، كبلاد القبائل الكبرى، وغيرها. وقد يكون بُعد المسافة عاملا آخرًا مانعا للسَّير في هذا الاتِّجاه سيرًا مؤثِّرا، يخلِّف بصمة ويترك أثرًا واضحيْن للعيان.
- - -