الدرر البهية في الخطب الجمعية لبدر العبري ج2
الجزء ١ · صفحة ١٢١من هنا جاءت الشرائع السماوية لحفظ هذه الكينونة العظيمة، واعتبرت الإساءة إلى الأم إساءة إلى الذات العلية جلّ وعلا، فهو الذي أوجدها، وهو الذي كرّمها وعظمها، وفي الوقت نفسه أوجب توقيرها واحترامها، فالإساءة إليها ولو بأفٍ كافية لأن تحرق هذا العاق في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، وقد جاء في الحديث الشريف عنه عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة عاق، وهذا مما أجمعت عليه الشرائع السماوية، يقول الله تعالى في الوصايا العشر: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، وروي عن المسيح عليه السلام أنه قال: أكرم أباك وأمك، ومن أهان أباه أو أمه فليكن الموت عقابا له.
وقد حفظت هذه الشرائع الأجيال ردحا من الزمن، فلم تعرف الأجيال في تأريخها عقوقا إلا من قبل ثلة خسيسة من الناس، ومع هذا ينظر إليهم نظرة دونية، ولم يكن الناس بحاجة إلى يوم يذكرون فيه أمهاتهم؛ بل وجودها واحترامها منقوش ما دامت العروق نابضة بالحياة، بل حتى بعد موتها فمكانتها لا تسقط أبدا.
ثمّ لما ابتعد الناس عن هذه الشرائع العظيمة، وركنوا إلى عبادة شرائع البشر القاصرة، وانشغلوا بهذه الحياة الفانية، كانت الأم ضحية من الضحايا في هذه العصرنة المادية، فأصبحت ضحية الملاجئ ودار المسنين، ضحية الهجران والعقوق، ضحية النكران لفضلها، ضحية النقصان لمكانتها وقدرها، فهي تعبت وتألمت؛ ولكن تعبها وألمها يفنى بكبر أولادها، فإذا ما شابوا لن تجد ابنا رحيما، بل ولا زوجا عطوفا، فتبقى في الحياة وحيدة كئيبة تنتظر الموت ليقضي عليها، إلا من رحم الله تعالى.