الأسرة نظرة نقدية تحليلية لعاشور كسكاس
الجزء ١ · صفحة ٩٦إذا أصبح ، سارع إلى والديه يسلِّم عليهما . وإذا أمسى ،لم يخلد إلى النوم حتى يلقي عليهما التحية الطيبة . وهذا خُلُق رفيع كان لهما الفضل فيه ، وشجرة طيبة هما اللذان توليا غرسها في ابنهما ، وقد أصبح الآن حقا مكتسبا لهما ليس من السهولة التنازل عنه . فكيف وهما على هذا النسق الجميل ، تأتي فتاة غريبة عن البيت تستحوذ على هذه المساحة الشاسعة وتتقدمهما في ذلك ؟.
أما عن الأم الأشدّ حساسية بالموضوع ، فقد بذلت جهدا أكبر لإسعاد ابنها . كانت تعدُّ له الطعام ، وتهيِّء له فراش النوم ، وتناوله كوب الماء فكيف هي إذا جاءت فتاة ودخلت على الخط وأفقدتها هذه المكاسب أو اختصرتها لها ؟ بل الأمر يتعدى ذلك ، فإن هذه الفتاة تختلي بابنها الذي هو زوجها بحق وجدارة ، وتغلق عليه الباب ، وترخي الستار،وتنام معه ، وتعطيه ما لا يمكن لأحد أن يعطيه إياه .
إذن ، إنها نقلة نوعية كبيرة يعرفها الوالدان نظريا ، وهما اللذان سعيا إليها ببهجة وسروروقناعة ، ولكنهما لم يجرباها في واقع حياتهما . وأمام هذه الوضعية المستجدَّة ، على العريس أن يحسن التصرف تفاديا لبعض الخسائر، وسعيا إلى المزيد من المكاسب .
يجب عليه أن يحسن تحقيق المعادلة بوعي وفهم وفقه . فهو أمام اختبار صعب ، يخوض فيه التجربة الأولى في حياته وعليه أن يحقق النجاج .. لكن كيف يتم ُّ ذلك ؟ .
عليه أن يخفِّض من الوقت المستحقّ لوالديه بتدرج ويسر، يشبعه بخلق رفيع جمّ دون المساس بالثوابت في علاقته بهما . وإذا بدا شيء من الغيرة من أمه –خاصة- فلا يقابله بالتحدِّي ، بل بمزيد من خفض للجناح والتواضع والبرِّ ، ولْيتجاوز عن بعض المواقف التي قد لاتروق له برفق وصبر، جاعلا بين ناظريه أن إغضاب الوالدين خطأ جسيم وخسارة كبيرة. فليحذر من ذلك ، فهي أمه التي بها أنعم الله عليه بنعمة الحياة ، وأصله الذي نبت منه ليصبح كائنا في هذا الوجود ، والمحضن الدافئ الذي نشأ فيه .