منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع
الجزء ١ · صفحة ١٧الخاتمة
في ختام هذه الورقة البحثية، وبعد القراءة المتأنية والمنتقاة لمباحث الكتاب، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
* يمثل نتاج ابن بركة لحظة فارقة في تطور فقه المدرسة الإباضية اجتهادا وتصنيفا؛ حيث يعد كتابه "الجامع" قمة التأليف الفقهي الإباضي خلال القرن الرابع الهجري، امتاز بمزج الصياغة الفقهية بالصناعة الأصولية، وربط الصلة بين الفروع والأصول.
* يعتبر كتاب الجامع من أهم مصادر الفقه المقارن لدى الإباضية، فقد حوى مادة ثرية تتجلى فيها الروح النقدية عند ابن بركة، والنزعة الحجاجية القائمة على الاعتداد بالرأي والانتصار له متى تبيَّن رجحانه.
* تتجلى معالم المنهج النقدي عند ابن بركة في الاحتكام إلى قواعد علمية وعقلية متفق عليها، تشكِّل معايير أساسية لعملية النقد، يمكن تلخيصها في ثلاثية: العقل، الشرع، اللغة.
* تعدَّدت مجالات النقد عند ابن بركة لتشمل مختلف جوانب الاجتهاد الفقهي، تأصيلا وتنزيلا، مما يدل على سعة الاطلاع، والتمكن من علوم الاجتهاد، وقوة العارضة في الاحتجاج.
* تميَّز منهج النقد عند ابن بركة بخصائص تتمثل في: 1 - الموضوعية، فينقد الرأي متى تبين خطأه دون النظر إلى قائله، ولو كان إمامًا في مذهبه. 2 - التأصيل: وذلك ببناء النقد على أسس ومعايير علمية، وليس مجرد كلام ملقى على عواهنه. 3 - الأدب: وهذا ثمرة لما قبله، وذلك بالتزام آداب النقاش، وعدم الجنوح إلى التجريح أو التعييب، وقد كان هذا دأب ابن بركة، إلا في قليل من المواضع حاد فيها عن مسلكه.
هذا، وإني أقترح في ختام هذه الورقة البحثية أمران:
أولا: القيام بدراسة شاملة لمنهج النقد الفقهي عند ابن بركة وإسهاماته في هذا المجال نظرا لما تتميز بهذه الشخصية العلمية من طاقات وملكات فذة.
ثانيا: إدراج منهج النقد الفقهي ضمن مساقات العلوم الشرعية على كافة المستويات، لتمكين الطلبة والباحثين على إعداد بحوث نقدية ذات عمق فكري وضبط منهجي.
وختاما، فهذا بحث مختصر حاولت الوقوف عند أهم معالم المنهج النقدي عند ابن بركة، تاركا المجال لأهل العلم والتحقيق حتى يستخرجوا درره، ويجلوا نفائسه. وأستغفر الله من كل زلل أو تقصير، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، والحمد لله رب العالمين.