Alsaidia_77_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦٢والمخابي أن الذى يدعو أمة إلى اقتناص أمة، أو يغريها بالتلصص عليها، أو التسلل إليها، أو غزوها واغتصابها - كاهو الشأن في الأفراد و الجماعات كذلك - هو أن الأمة المقصودة، أو الدولة المطموع فيها، تتميز بما لم يكن
عند غيرها من الأمم والدول، وتحظى بأوفر نصيب من المواهب والمنح الطبيعية والخيرات، وتتمتع بما يثير الطمع، ويغرى بالجشع في نفوس الحاقدين، الحاسدين، الذين تتحلب أفواههم شرها في الاغتصاب والاستلاب. وكذلك كان الشأن مع عمان والأمم التي سكنتها أو غزتها حقياً متفاوتة من الدهر، أو تداولت عليها بقصد الانتجاع والاسترواح، نظرا لمناخها الجميل، وجوها البديع، وموقعها المتميز، واستراتيجيتها البكر، وخصوبتها العذراء، وخيراتها التي فانت الوصف، وكبرت على اللغة، ورائها الفذ المتوحد، الذي استعلى على التطلع وفاق التصور والخيال، حتى ليقرر الرحالة البرتغالى «برتون سبيك في كتابه - أيام في عمان -: إن عمان هى الرئة الصحيحة التي تتنفس الجزيرة من خلالها، وهي الذراع الطويلة القوية التي تلاحق المغتصب على مدى الخريطة العربية، وتطول كل أبعادها وجيوبها، وهى إلى جانب ذلك كله، الدماغ الواعية الذكية التي تتشار دائما في الملمات والمدلهات، ولها رأيها الصائب، وحكمها الصادق الناصح في حل المشكلات، وفض الألغاز، وفك الرصد وإلقاء الأضواء على الطلاسم والمعميات.
هذا إضافة إلى أن عمان هي المدخل الفريد الوحيد للتعرف على الإنسان العربي الأصيل، في عروبته وشمائله، فى صفاته، وسلوكه، في أخلاقه، وطبائعه
التي لا توجد إلا فيه وحده دون خلق الله على إمتداد الحياة والأحياء، نعمان أشبه بالكتاب الذى تتراءى على صفحاته، وتتضح بين سطوره وكلماته قصة الإنسانية كلها من بدء الخليقة إلى يومنا هذا، بما فيها من معادلات صعبة أو سهلة، تجمع بين الجبل والسهل، والخصوبة والمحل، والرقة والوعورة.