مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٩٦

مناجزة الإلحاد

الإلحاد

في ضيافة العالم العربي

كان العالم العربي على موعدٍ مع ضيف ثقيل الضّل، ضيف أنكرته العقول والتقاليد والأعراف والعادات قبل أن تُنكره العقائد والتَّوجهات والديانات، ومع هذا وذاك فقد تسلل إلى المآدب والموائد العربية، وأخذ يقتات من فضلاتها حتَّى اشتد عوده الأعوج، وانتصب على قدميه يمشي الهبلى.

لقد انتقلت العدوى الإلحادية التي أصابت أوروبا في خضم نهضتها المادية إلى البيئة العربية، وكانت ثمَّة جسور بين الضفتين تعبر منها هذه العدوى ليحدث الالتقاء والاندماج، وتمخض عن ذلك أن أصابَ العالم العربي بعضُ ما أصاب العالم الأوروبي من لوثة الإلحاد، أن ذاك الالتقاء لم يرد منه استقدام الإلحادِ وإحسان وفادته، وإنما أريد به الإفادة من النّهضة الأوروبية ومشروعها الذي بهر العيون واستثار مكامنَ النُّفوس، وتراءى للآخرين كحلم وردي ومدائن فاضلة تتقاصر دونها الهمم.

على

راود حلمُ النّهضة الكثيرين من أبناء العالم العربي، وهو حلم مشروع في أصله، وكان يمكن الإفادة. منه بعد تهذيب بعض أفكاره بما يتناسب مع قيمنا ومبادئنا، وتعميق بعض الخطوط الباهتة فيه، ليصير واقعًا عمليا ملموسا يُنهضُ الأمة من وهدَتِها وينتشلُها من عَثَارِها، ومثل هذه الالتقاءات والتلاقحات يفرضها الواقع بطبيعة الحال، وليس علينا أن ندس رؤوسنا في التراب، أو أن تُغمض عيوننا عنها، بل علينا مواجهتها باتزان وتوازن أن ننفتح عليها من غير أن نذوب فيها، وأن نحافظ على هُويَّتِنا ومرتكزاتنا من غير أن ننكمش وننغلق على ذواتنا؛ فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى النَّاس بها.

هناك مسارات في التاريخ الحديث حددت أنماط الفكر العربي، ولا يهمنا منها إلا تلك الأنماط التي كانت تُغازِل مسارات الإلحاد بصورة مباشرة وغير مباشرة، وسوف نضع ديباجةً عن هذه المسارات بتنظيراتها وإسقاطاتها الواقعية بحسب طبيعتها المعرفية، فالإلحاد المعاصر

196