مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ٤٣١المبحث الثامن: المستوى الفطري
المعاصرين يزعمون بأنَّ الإلحاد هو الفِطرة)، مخالفين بذلك. جميع الأدلة والدراسات السابقة ومستندين إلى الأصل التاريخي الذي يُقارنونه بـ (العُري)! فالأصل في الإنسان - كما يقولون - هو التعري وليس الاحتشام؛ ذلك لأن الاحتشام ليس سوى نتاج لاتفاقنا الجماعي داخل دواليب التاريخ، وهو بذلك لا يُعدُّ أصيلا بل مجرَّد وافد خارجي، فحال الإلحاد كحال العُري= الأصل والفطرة. بينما حال الإيمان كحال الاحتشام= خلاف الأصل والفطرة.
وتظهر على مثل هذا الطرح الكثير من علامات التعجب والاستفهام، فهل تُقاس الفطرة بهذا المقياس المتهافت؟! أليست الفِطْرةُ هي طبيعة البشر التي يتوافقون عليها رغم اختلاف الزمان
أن
والمكان؟! فالبشر توافقوا على الاحتشام وتأبى طبيعتهم السَّليمة - ما لم تتأثر بمؤثر خارجي - يمشوا عراةً كاشفين لسوءاتهم، وكذلك توافقوا على الإيمان عبر تاريخهم - الإيمان نفسه بغض النظر عن التصورات التي تصاحبه - وتأبى طبيعتهم السليمة - ما لم تتأثر بمؤثر خارجي - أن يُلحدوا. فهذه هي مقاييس الفِطرة أو الطَّبيعة البشرية: العموم والاطراد عبر التاريخ، وليس الخصوص والشذوذ المبني على المؤثرات الخارجية مهما كثر وتضخم في ظرف (زمكاني) معين، وقبل ذلك كله فإنَّ قضيَّة الاحتشام - في غير السَّواتَين - قضيَّةٌ ثقافيَّةٌ وليست فطريَّة، فلا مجال لمقارنتها بالأمور الفطرية!
إنَّ بعض الملاحدة يستشهدون بالشذوذات والحالات التي تأثرت بمؤثرات خارجيَّة؛ ليُعمموا قولهم بعدم فطريَّة الإيمان بوجود الخالق، فتراهم يستشهدون بأطروحات أو دراسات عفا عليها الدهر، فهم بين دراساتٍ لا تُعلم صحتها ومصداقيتها، أو دراسات مغلوطة ومكذوبة كاستشهادهم بكلام هربرت سبنسر الذي يُشير فيه إلى وجود أناس فصلوا عن الأفكار المكتسبة منذ طفولتهم لسبب من الأسباب فخلوا من أي فكرة دينيَّة، أو الاستشهاد ببعض المعلومات المغلوطة التي تخالف ما قرّرته دراسات علماء الأنثروبولوجيا المتخصصين كما يروق للملاحدة أن يُصنفوا فطرة الإيمان على أنَّها فيروس جماعي، أو اضطراب نفسي، أو وهم وخرافة مجتمعية! إنَّهم يزعمون بأنَّ البشرية عبر تاريخها المديد مصابة بفيروس الإيمان، أو باضطراب نفسي جماعي، مع أنَّهم هم الذين شدوا عن البشر ومسيرتهم التاريخية وانسلخوا عنهم - حديثًا - عقب انهيار سجن الباستيل فقط!
1 - هذه الدعوى طرحها المدعو جلال حبش في مقالته: (الإلحاد هو الفِطرة) على صحيفة الحوار المتمدن)، العدد: (2997).
431