الأخبار والآثار سالم بن عبد الله بن راشد الحمسعيدي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٥

فامتنع قلبه عن الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها وكل من كره شيئا دفعه عن نفسه والانسان مشغوف بالأماني الباطلة فيمني نفسه أبدا بما يوافق مراده وانما يوافق مراده البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من أهل ومال ودار وأصدقاء ودواب وسائر أسباب الدنيا فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه فيلهو عن ذكر الموت ولا يقدر قربه فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد سوف ووعد نفسه. وقال الأيام بين يدي فإلى أن يكبر ثم يتوب وإذا كبر فيقول إلى أن أصير شيخا فإذا صار شيخا قال: إلى أن أفرغ من بناء هذه الدار وعمارة هذه القرية أو يرجع من هذه السفرة أو يفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال أخر هكذا على التدريج يؤخر يوما بعد يوم ويفضي به شغل إلى شغل بل إلى أشغال كثيرة إلى أن تختطفه المنية في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته وأكثر أهل النار صياحهم، من سوف يقول: واحزناه من سوف والمسوف والمسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا وانما تطول المدة قوة ورسوخا يظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا والحافظ لها فراغ قط وهيهات ما فرغ منها إلا من طرحها.

وقال بعضهم:

فما قضى أحد منها لبانته

ولا

انتهى

أرب إلى أرب

وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها والغفلة عن معنى قوله

عليه السلام -: أحبب ما شئت فإنك مفارقه

•

وأما الجهل فهو أن الانسان يعول على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عُشر رجال البلد، وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر، فإلى أن يموت شيخ يموت صبي وشاب، وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعد الموت فجأة ولا يدري

ألف صبي

- Yoo -