الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٢إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلم المعاصي، ينادون من أكنافها ويضجون في أطرافها؛ يا مالك قد حق بنا الوعيد، يا مالك قد أثقلنا
الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود فيقول الزبانية: هيهات؛ لات حين مناص ولا أمان ولا خروج لكم من دار الهوان فاخسأوا فيها ولا تكلمون لو أخرجتكم لكنتم إلى ما نهيتم عنه عائدين فعند ذلك يقنطون وعلى ما فرطوا في جنب الله يتأسفون، ولا ينجيهم الندم ولا ينفعهم الأسف، بل يكبون على وجوههم مغلولين النار من فوقهم، والنار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمائلهم، فهم غرقى في النار طعامهم نار وشرابهم نار، ولباسهم نار، ومهادهم نار، فهم بين مقطعات النيران وسرابيل القطران، وضرب المقامع، وثقل السلاسل فهم يتجلجلون فيها وفي مضائقها ويتحطمون في دركاتها ويضطربون بين غواشيها تغلي بهم النار كغلي القدور ويهتفون بالويل والعويل، ومهما دعوا بالثبور صب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد) (1) تهشم جباههم فينفجر الصديد من أفواههم فتقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم، وتسقط من الوجنات لحومها وتتمعط من الأطراف شعورها بل جلودها، وكلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها، وعريت من اللحم عظامهم فبقيت الأرواح منوطة بالعروق و علائق العصب وهي تنشأ في لفح تلك النيران يتمنون الموت فلا يموتون فكيف بك لو نظرت إليهم، وقد اسودت وجوههم أشد سوادا من الحميم، وأعميت أبصارهم، وجدعت آذانهم، وأخرست السنتهم، وقصمت ظهورهم، وكسرت عظامهم، ومزقت جلودهم، وغلت أيديهم إلى أعناقهم وجمعت بين نواصيهم أقدامهم وهم يمشون على وجوههم في النار، ويطأون حسك الحديد بأحداقهم فلهب النار في بواطن أجزائهم، وحيات الهاوية وعقاربها متشبثة بظواهر أعضائهم، هذه جملة أحوالهم.
1 - الآيتان 20، 21 من سورة الحج
6
292 -