سفينة النجاة
الجزء ١ · صفحة ١٨تَأَمَّلْ هَذِهِ السُّورَةَ الْكَرِيمَةَ، فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَصْرِ يَعْنِي الزَّمَنَ، أَقْسَمَ عَلَى أَنَّ كُلَّ النَّاسِ خَاسِرُونَ أَوْقَاتَهُمُ الَّتِي أَمْضَوْهَا فِي مَعْصِيَةٍ أَوْ فِي إِهْمَالٍ، أَوْ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَكُلُّ سَاعَةٍ لَمْ تُؤَدِّ فِيهَا عِبَادَةً أَوْ مَا يُعِينُ عَلَى الْعِبَادَةِ مِنَ الْمُبَاحَاتِ فَقَدْ خَسِرْتَهَا، وَكُلٌّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ مُخَالِف لِدِينِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ خُسْرَانٌ إِذَنْ كُلُّ النَّاسِ غَرْقَى وَفِي خُسْرٍ دُنْيَا وَأُخْرَى إِلَّا مَنْ أَكْمَلَ أَرْكَانَ النَّجَاةِ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ لِإِصْلَاح نَفْسِهِ، وَاثْنَانِ لِإِصْلَاحِ غَيْرِهِ، فَالرُّكْنَانِ السَّابِقَانِ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ، أَمَّا النَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ فَلِإِصْلَاح غَيْرِهِ، وَلَا نَجَاةَ مِنَ الْخُسْرِ إِلَّا لِمَنْ أَكْمَلَ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ، وَإِنَّها لَسْهَلَةٌ عَلَى مَنْ أَخْلَصَ للهِ تَعَالَى وَلَدَيْهِ يَقِينٌ بِالْآخَرَةِ فَانْتَبِهْ وَاكْشِفْ غِطَاءَ الْغَفْلَةِ عَنْ قَلْبِكَ اخْتِيَارًا قَبْلَ أَنْ يَنْكَشِفَ اضْطِرَارًا؛ فَحِينَئِذٍ لَا يُفِيدُكَ كَشْفُهُ، بَلْ سَوْفَ تَنْدَمُ وَلَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ
الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [سورة ق: 22]. عَلَى مَاذَا أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى فِي
12