معجم مصطلحات الإباضية ج 1 و 2
الجزء ١ · صفحة ٩٦١حرف اللام
والحق أن الإباضية لم يعتبروا الإلهام حجة شرعية في مواجهة النص والأدلة الأخرى، وإنما يعمدون إليه عند غياب النص في حالات خاصة. وهذه الحالات بينها الإمام الكدمي وابن بركة فأبو سعيد الكدمي نص على أنه عندما تقوم الحجة على الإنسان بوجوب فريضة مؤقتة عليه، وتعذر أن يصل إلى من يُعلمه كيفية أدائها. وهو الذي يسميه بالمعبر فإنه يؤديها كما حسن في عقله، أو ألهم تأديتها، فإذا قامت عليه الحجة الشرعية بكيفية
أدائها وجب عليه ترك ما حسن في عقله والتمسك بمقتضى الدليل الشرعي. أما ابن بركة فذكر عن المنقطع في جزيرة نائية لا يجد من يُخبره بأحكام الحلال والحرام. فإنه يترك ما قبح في عقله تناوله إلى أن يجد المعبر الشرعي، فقد يترك أكل الحيوان المباح لأن ذبحه وإيلامه قبيح في العقول.
وهذه الصور تندرج في حجية العقل ومدى اعتماده مصدرا للمعرفة،
ومجال الاستدلال به، وبخاصة عند غياب الدليل السمعي وخبر الرسول. وأكد ابن بركة عدم حجية الإلهام عند ورود الشرع، مبينا أن السلف لم يكونوا في اجتهاداتهم ملهمين، بل كانوا يعتمدون القياس، وأن المستفتي لا يعلم الملهم من غير الملهم. وأن مدعي الإلهام ومن لا يدعيه يستوون في الحجة، إذ يدعي كل واحد على صحة رأيه بقوله: هذا ما ألهمته. والقرآن تعبدنا بغير ذلك، إذ قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي
أَنْفُسهمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53). فلو جاز أن يكون العلم إلهاما لارتفع عندئذ النظر والاعتبار، ولما احتاج الناس إلى القياس. ولا يجوز لأحد أن يدعي الإلهام، لأن الإلهام نقل، وباب الوحي قد شد بوفاة الرسول. وطريق النقل لا يثبت بالعقل. فمن ادعاه نظر إلى قواعد الشرع، إن وافقها قبل، وإن خالفها رددناه، لأن الشرع هو الحجة في ذلك.
- 941 -