تحطيم التجسيم مسعود بن محمد بن مسعود المقبالي

تحطيم التجسيم

الجزء ١ · صفحة ١١٠

تحطيم القسيم

الجزء الرابع

207

فلينظر الباحث في هذا الأمر، فإن أكثر الغالطين لما نظروا في الصنفين رأوا الملائكة بعين التمام والكمال، ونظروا الآدمي وهو في هذه الحياة الخسيسة الكدرة، التي لا تزن عند الله جناح بعوضة وليس هذا بالإنصاف.

فأقول: فضل أحد الذاتين على الأخرى إنما هو بقربها من الله - تعالى - ومن مزيد اصطفائه وفضل اجتبائه لنا، وإن كنا نحن لا ندرك حقيقة ذلك.

هذا على سبيل الإجمال، وعلى حسب الأمور التي هي في نفسها خبر محض، وكمال صرف، مثل: الحياة والعلم والقدرة، والزكاة والطهارة، والطيب والبراءة من النقائص والعيوب، فنتكلم على الفضلين:

:

أما الأول: فإن جنة عدن خلقها الله - تعالى - وغرسها بيده، ولم يطلع على ما فيها ملكا … مقرباً، ولا نبيا مرسلاً، وقال لها تكلمي، فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون 1. جاء ذلك في أحاديث عديدة، وأنه ينظر إليها في كل سحر، وهي داره، فهذه كرامة الله تعالى لعباده المؤمنين، التي لم يطلع عليها أحد من الملائكة. ومعلوم أن الأعلين مطلعون على الأسفلين من غير عكس ولا يقال هذا في حق المرسلين، فإنها إنما بنيت لهم، لكن لم يبلغوا بعد إبان سكناها وإنما هي معدة لهم، فإنهم ذاهبون إلى كمال، ومنتقلون إلى علو وارتفاع، وهو جزاؤهم وثوابهم. وأما الملائكة فإن حالهم اليوم شبيهة بحالهم بعد ذلك، فإن ثوابهم متصل وليست الجنة مخلوقة، وتصديق هذا قوله تعالى: {فَلا تعلم نفس ما أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُن ه / السجادة 170:. فحقيقة ما أعده الله لأوليائه غيب عن الملائكة، وقد غيب عنهم أولاً حال آدم في الـ

،

الأولى وغيرها.

وفضل عباد الله الصالحين يبين فضل الواحد من نوعهم، فالواحد من نوعهم إذا ثبت فضلهم على جميع الأعيان والأشخاص، ثبت فضل نوعهم على جميع الأنواع؛ إذ من الممتنع ارتفاع شخص من أشخاص النوع المفضول إلى أن يفوق جميع الأشخاص والأنواع الفاضلة، فإن هذا تبديل الحقائق وقلب الأعيان عن صفاتها النفسية، لكن ربما فاق بعض أشخاص النوع الفاضل مع امتياز ذلك عليه بفضل نوعه وحقيقته، كما أن في بعض الخيل ما هو خير من بعض الخيل، ولا 374: يكون خيراً من جميع الخيل. إذا تبين هذا، فقد حدث العلماء المرضيون وأولياؤه المقبولون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه على العرش معه. روى ذلك محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد في تفسير: وعَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا

110

: