تحطيم التجسيم مسعود بن محمد بن مسعود المقبالي

تحطيم التجسيم

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

123

وهؤلاء يقولون هذا الذي ذكرناه أكمل في صفة الغني عما سواه والقدرة على

،

كل شيء مما يقوله النفاة؛ فإن أولئك يقولون لا يقدر أن يتصرف بنفسه، ولا يقدر أن ينزل ولا يصعد ولا يأتي ولا يجيء، ولا يقدر أن يخلق في عباده قوة يحملون بها عرشه الذي هو عليه، ويكونون إنما حملوه وهو فوق عرشه بقوته وقدرته من كونه لا يقدر على مثل ذلك، ولا يمكنه أن يقيم نفسه إلا بنفسه، كما أنه سبحانه إذا خلق الأسباب وخلق بها أموراً أخرى ودبر أمر السماوات والأرض كان ذلك أكمل وأبلغ في الاقتدار من أن يخلق الشيء وحده بغير خلق قوة أخرى في غيره يخلقه بها؛ فإن من يقدر على خلق القوى في المخلوقات أبلغ ممن لا يقدر على ذلك؛ ولهذا كان خلقه للحيوان ولما فيه من القوى والإدراك والحركات من أعظم الآيات الدالة على قدرته وقوته، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 58]. قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي وصاحبه: (وأعجب من هذا كله قياسك الله بقياس العرش ومقداره ووزنه من صغير أو كبير، وزعمت كالصبيان العميان إن كان الله أكبر من العرش أو أصغر منه أو مثله، فإن كان الله أصغر فقد صيرتم العرش أعظم منه، وإن كان أكبر من العرش فقد ادعيتم فيه فضلاً عن العرش، وإن كان مثله فإنه إذا ضم إلى العرش السماوات والأرض كانت أكبر، مع خرافات تكلم بها، وترهات يلعب بها، وضلالات يُضل بها، لو كان من يعمل الله لقطع قشرة لسانه، والخيبة لقوم هذا فقيههم، والمنظور إليه مع هذا التمييز كله. وهذا النظر، وكل هذه الجهالات والضلالات.

فيقال لهذا البقباق النفاخ إن الله أعظم من كل شيء، وأكبر من كل خلق، ولم يحمله العرش عِظَماً ولا قوة ولا حملة العرش حملوه بقوتهم، ولا استقلوا بعرشه ولكنهم حملوه بقدرته.

وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبار في عزته وبهائه ضعفوا عن حمله واستكانوا، وجنّوا على رُكَبهم، حتى لقنوا (لا حول ولا قوة إلا بالله) فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته ولولا ذلك ما استقل به العرش ولا الحملة، ولا السماوات والأرض ولا من فيهن، ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة، فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض؟ وكيف تنكر

435