تحطيم التجسيم
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣222
وقال تعالى: (لقد كفرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةِ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا إِلَهُ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُون لَيَمسُ الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاب اليم* أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفُرُونَهُ واللهُ غَفُورٌ رحيم} [المائدة: 73 - 74].
ثم إنه جمع اليهود والنصارى في قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عَزيرٌ ابْنُ الله وقالت النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذلك قَولُهُمْ بأَفْوَاهِهِم يُضَاهِبُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ الله أنى يُؤفَكُونَ} [التوبة: 30].
ومن المعلوم لمن له عناية بالقرآن أن جمهور اليهود لا تقول: إن عزير ابن الله، وإنما قاله طائفة منهم، كما قد نقل أنه قاله فنحاص بن عازورا، أو هو وغيره. وبالجملة إن قائلي ذلك من اليهود قليل، ولكن الخبر عن الجنس. كما قال: الذين قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]، فالله سبحانه بين هذا الكفر الذي قاله بعضهم وعابه به، فلو كان ما في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم، فإن فيها من ذلك ما تنكره النفاة وتسميه تشبيهاً وتجسيماً، بل فيه إثبات الجهة وتكلم الله بالصوت وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور.
فإن كان هذا مما كذبته اليهود وبدلته، كان إنكار النبي لذلك وبيان ذلك أولى من ذكر ما هو دون ذلك، فكيف والمنصوص عنه موافق للمنصوص في التوراة؟! فإنك تجد عامة ما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقاً مطابقاً لما ذكر في التوراة، وقد قلنا قبل ذلك إن هذا كله مما يمتنع في العادة توافق المخبرين به من غير مواطاة. وموسى لم يواطئ محمداً، ومحمد لم يتعلم من أهل الكتاب. فدل ذلك على صدق الرسولين العظيمين، وصدق الكتابين الكريمين.
وقلنا: إن هذا لو كان مخالفاً لصريح المعقول لم يتفق عليه مثل هذين الرجلين،
اللذين هما وأمثالهما أكمل العالمين عقلاً، من غير أن يستشكل ذلك وليهما المصدق، ولا يعارض بما يناقضه عدوهما المكذب، ويقولان: إن إقرار محمد لأهل الكتاب على ذلك، من غير ان يبين كذبهم فيه دليل على أنه ليس مما كذبوه وافتروه على موسى، مع أن هذا معلوم بالعادة، فإن هذا في التوراة كثير جداً، وليس لأمة كثيرة عظيمة منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها، غرض في أن تكذب على من تعظمه غاية التعظيم، بما. يقدح فيه، وتبين فساد أقواله، ولكن لهم غرض في أن يكذبوا كذباً يقيمون به رياستهم وبقاء شرعهم، والقدح فيما جاء به من ينسخ شيئا منها، كما لهم غرض في الطعن على عيسى بن مريم وعلى محمد صلى الله عليهما وسلم فإذا قالوا ماهو من جنس القدح في
328