أدب القضاء في الإسلام زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

أدب القضاء في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

144

أدب القضاء في الإسلام

مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَ إِنَّمَا يُعْوذُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْعِ وَ سُوءِ ظَيْهِمْ بِالْبَقَاءِ وَ قِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ. ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالٍ كُتَّابِكَ فَوَلِ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَ اخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَكَ وَ أَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَيَّ وَلَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمّالِكَ عَلَيْكَ وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ وَ فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ وَلا يُضْعِفُ عَقْداً اِعْتَقَدَهُ لَكَ وَ لاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ وَلَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ.

ثُمَّ لَا يَكُنِ اِخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاِسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ؛ فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَ حُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَ الْأَمَانَةِ شَيْءٌ وَ لَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ

أَثَراً وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً؛ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ وُلِيتَ أَمْرَهُ. وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ لاَ يَظْهَرُهُ كَبِيرُهَا وَلَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ.

ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُجَّارِ وَ ذَوِي الصَّنَاعَاتِ وَ أَوْصِ بِهِمْ خَيْراً، الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَ الْمُتَرَقِّقِ بِبَدَنِهِ؛ فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَ أَسْبَابُ الْمَرَافِقِ وَجُلابُهَا مِنَ الْمُبَاعِدِ وَ المطارح في بَرَكَ وَ بَحْرِكَ وَ سَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَ حَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا وَلاَ يَجْتَرِوْنَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَائِقَتُهُ وَ صُلْحٌ لا تُخْشَى غَائِلَتُهُ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ

بحَضْرَتِكَ وَ فِي حَوَاشِي بِلادِكَ. وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشَاً وَ شُحَاً قَبِيحاً وَ احْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ وَ تَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ وَ ذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ وَ عَيْبٌ عَلَى الْوُلَاةِ فَامْنَعْ مِنَ الْاِحْتِكَارِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنَعَ مِنْهُ، وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ وَأَسْعَارٍ لاَ تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعَ فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةٌ بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكَّلْ بهِ وَعَاقِبُهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ.