قراءة في ديوان مدوا الأيدي نتصالح لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ١١وصدر البيت الثاني على نفس القافية، بينما ختم عجز البيت الثاني بقافية أخرى، وقام الشاعر بذلك مع الحفاظ على الجرس الموسيقي والخيال الشعري في القصيدة البديعة(1):
أَرَاكِ يَدِي غَيْرَ رُؤْيَا الْجَمِيعْ … أَرَى فِيكِ شَيْئًا فَرِيدًا بَدِيعْ
يَرَوْنَكِ رَبَّةَ كُلِّ صَنِيعْ … وَلَكِنْ أَرَى فِيكِ لُغْزَ الْحَيَاةْ
وفعل الأمر نفسَه مع قصيدة "مُخَيَّمُ بَنْ يَزْقَنْ"(2):
مِنْ حَنَايَا كُلِّ شَابْ … يَسْجَنِيٍّ مِنْ مِزَابْ
خُلْقُهُ دِينُ الصَّوَابْ … قَدْ بَنَيْنَا ذَا المَخَيَّمْ
- استرسل في قصيدة "الشَّخْصِيَّةُ" في الملاءمة بين كل لفظة وضدها بأسلوب سلس، ووزن خفيف، وإسهامات فلسفية محيرة أجراها على كامل القصيدة، كقوله(3):
مَنْ ذَا تَظُنُّكَ فِي الوَرَى؟ … أَمَعَ الأَمَامِ أَمِ الوَرَا؟
أَمَعَ الْحَيَاةِ أَمِ الرَّدَى؟ … أَمَعَ [الثُّرَيَّا أَمِ] الثَّرَى؟
- حمله الاهتمام بالجرس الموسيقي في بعض الأحيان إلى العناية بالبديع، واختيار الألفاظ والمعاني، من مثل استعماله للجناس الناقص في "مَرَّةً أُخْرَى الجَزَائِر"(4):
اخْتِلاَفٌ فِي الظَّوَاهِرْ … وَائْتِلاَفٌ فِي الْجَوَاهِرْ
5 - انفردت قصيدة واحدة في الديوان بتعدد مواضيعها، أما البقية فكلها متقيدة بالوحدة الموضوعية، وهذه القصيدة هي "شاع خبرا شاح قبرا"، حيث استهلها بالتحسر من إقامة الذكرى لعظيم لم يكن يُعبأ به حيا، ثم أشاد بأعمال المرثي، وهجا خصومه من أهل الشعر النثري، ومدح مسقط رأسه الثري، واشتكى من غربة اللغة العربية على أهلها، وهيمنة الغرب على عقولهم، فضاعت العراق وفلسطين من بين أيديهم، وختمها بالاعتذار عن الإطالة.
6 - يتنوع إنتاجه بين الشعر العمودي وشعر التفعلة، فلا هو يرضى بشكل ثابت لقصائده، ولا هو مؤثر التحرر الدائم من الوزن والقافية، مما يدل على أصالته ومعاصرته، وتحكمه في تصوير عاطفته في أي شكل من أشكال الوزن الخليلي.
7 - خلاصة الشعر عنده رسالة مقدسة، وليست خيالات منسوجة في أبيات، فيقول عن الشعر في "مَوْقِفٌ شِعْرِيُّ .. "(5):
(1) المصدر السابق: 213.
(2) المصدر السابق: 133.
(3) المصدر السابق: 227.
(4) المصدر السابق: 30.
(5) المصدر السابق: 222.