مختارات المسكري
الجزء ١ · صفحة ١٠٩w
ثم قال الحجاج فما تقول في؟ فرد عليه: أنت أعلم بنفسك، فقال له: بل أريد علمك؟ قال: علمي عنك يسوك ولا يسرك، قال: لا بد من أن سمع منك، فقال: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله ترى من نفسك أمورا تريد بها الهيبة، وهي التي تقحمك الهلاك، وتدفعك إلى النار دفعا. فلما سمع الحجاج مِن سعيد ما قاله فيه اغتاظ، وقال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدًا قبلك ولن أقتلها أحدًا بعدك، قال: إذا تفسد على دنياي، وأفسد عليك آخرتك، قال: اختر لنفسك أي قتلة تريدها قال: بل اخترها أنت لنفسك يا حجاج، فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها في الآخرة قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان عفو فمن الله تعالى، أما أنت فلا براءة لك ولا عذر، فاغتاظ الحجاج، وقال: السيف في رأسك، فتبسم سعيد، فقال له الحجاج: وما تبسمك؟ قال له: عجبت من جرأتك على الله عزَّ وجلَّ، ومن حلم الله عنك فصرخ الحجاج في عسكره اقتلوه، فاستقبلوا به القبلة، فقال سعيد - وهو على عتبات الموت -: (إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: (79) فقال: احرفوه عن القبلة ولا تتركوه مستقبلا لها، فقالَ: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (البقرة: 115) فقال: كُبوه على الأرض، فقال: (مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا تُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخرى ((طه: (55) فقالَ: اذبحوا - عدو الله - فما رأيت رجلًا أدعى منه لآيات
القرآن.
فبدأ ذبحه من قاعه، لا تسلط وهو ينطق بالشهادتين، ثم رفع يديه قائلا: اللهم
الحجاج على أحد بعدي، ففارقت روحه جسده إلى جوار رب العالمين. واستجاب الله تعالى دعا سعيد فلم يمض على مصرع سعيد غير خمسة عشر يوما حتى حُمَّ الحجاج، واشتدت عليه وطأة المرض؛ فكان يغفو ساعة ويفيق أخرى، فإذا غفى