38. شيخ التراث العماني سالم بن حمد الحارثي
الجزء ١ · صفحة ١٤الراحل الباقي
13
سنوات كفاح
سلطان بن مبارك الشيباني
أراني ختما
عمانيا على
ظهر
زُرتُه أول مرة صبيحة الجمعة 6 شعبان 1421 هـ / 3 نوفمبر
???
كانت المخطوطات تصني
) في منزله الواقع خلف مجلس (بيت البرج) في بلدة بَيْنَنَا وَبَينَ الشَّيخ سالم بن حمد الحارثي عصر يحلو للبعض المضيرب من شرقية عمان. كان سمحا بشوشا متواضعاً، حتى أن يُسميه عَصْرَ الأوراق الصفراء، يوم كـ لقد خجلت من حسن تعامله معنا زرته عدة مرات بعدها فكنتُ عقول الرجال، قبل أن تتحوّل إلى تحف فنية تُزين بها الرفوف أجده على الحال نفسها كتب ومخطوطات وأوراق، تتحلق حول والخزائن يوم كان الطالب يفتح عينيه على كتاب القرية. شيخ وقور: ذي عمامة بيضاء مطوية إلى الأعلى، ولحية كنة يدرس فيه القرآن مع المعلّم، يتلقاه شفاهاً من لسانه كلمةً كلمة. مهيبة، كأنما اجتمعت في ملامحه أصالة التراث العُماني أو يكتب وراءه على لوحه حرفًا بحرف. يوم كانت عيون الأطفال لا تكتحل بنسخة مكتوبة من المصحف إلا مَنْ كان محظوظًا
وعراقته.
بعد ذلك.
كنتُ أسأله فيجيبني دون تردد، ولا يبالي أن يدخل مرة تلو منهم. وبعد ختم القرآن يدرس التلميذ على شيخ متونا علمية قد المرة إلى مكتبته ليستخرج من نفائسها ما يؤيد جوابه ويطفئ يحفظها كلها دون أن يطّلع على نَص مكتوب لأحدها، وربما قرأ غليله وغليل سائله، وربما تحرك فضولي إذا رأيت بين يديه على شيخه مئات الأوراق (الصفراء) من مجلدات الأصول وثيقةً مهمة يقرؤها، فلا أكاد أطلبها حتى يعطيني نسخة منها، والفقه والأدب قراءةً هي الأولى والأخيرة، ثُم لا تقع عينه عليها وما خرجت يوما من عنده خالي الوفاض. أراني مرةً حتما عمانيا على ظهر مخطوط عنده مؤرخًا في دارت الأيام، وصرنا نسمع القرآن عبر الأشرطة السمعية القرن العاشر الهجري، وقال: هذا مؤشر حضاري لا بد أن وأقراص الكمبيوتر، وأثير الإذاعة والتلفاز، ونقرؤه من صفحات القرن العاشر يعتنى به. كانت تستهويه مثل هذه الفوائد الشوارد، وتَشُد فاخرة، مذهبة، تتزين بها مكاتبنا ومجالسنا، أما الكُتُب انتباهه، فيجمعها ويدونها، ويخرج من بطون المخطوطات ما فالحصول عليها كالحصول على الماء، وربما وجد طالب العلم انمحى خطه وصعبت قراءته، فيعيد نسخه خشية ذهابه، وربما مُراده منها بنقرة واحدة على الإنترنت، بل ربما اضطجع على استعار مخطوطًا من هذه المكتبة أو تلك ليقارن به مخطوطاته سريره ووضع رأسه على وسادته الناعمة ليُقلب عشرات الكتب بغية تصحيحها، ومَنْ تأمل مكتبته قلّما يَجِدُ مخطوطًا فيها لَمْ المحفوظة في هاتفه
مخطوطة من
الهجري فقال
هذا مؤشر حضاري لا بد
أن نعتني به
يُسَطّر عليه شيئًا من تعليقاته النفيسة.
إنها صحبة طويلة مع الكتب، وخبرة عميقة بخباياها بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّيْخِ سَالِمِ بنِ حَمدٍ حمد الحارثي: عصر يسمى
سألته
عن شعاره في الحياة، فقال:
وخفاياها، ولَهَفِّ شديد إلى تتبعها واقتناص طرائدها، لا يعبر عصر النسخ، كان فيه ناسخ الكتب يُحضر الدواة والمداد عنه مثل قوله لي ذات مرة: أنا لا أعيش دون مخطوطاتي! والأقلام، ويجلس ليلاً على ضوء السراج القديم، يكتب العلم المفيد النافع. إنّها مَشَاهد حيّةٌ. من أيام الماضي، تتخللها نفحات وإِنَّمَا يَوَحدَتِي أَنسَبٍ وقعر بيتِي عَنْهُم لَزِمْتُ عطرة من عبق التاريخ، تربطه بتراث الأجداد قلبا وقالباً فَزَادَ أَنْسِي ونَمَا السرور بَلْ زَالَ بِانْفِرَادِي المحذور وتجعله يعيش لحظات عاش الأولون مثلها، فكأنما هو حلقة في تلك كانت خلاصة لقاءاتي معه في سطور موجزة، ربما سلسلة واحدة، تسلك الدرب نفسه، وتقتفي الخُطى ذاتها. توجزُ في الوقت ذاته معالم شخصية الشيخ سالم بن حمد بن لقد أدرك الشيخ ذلك وعايشه عن قرب، وجلس على كرسي سليمان الحارثي وملامح مسيرته وعطائه، التي بدأت يوم النسخ الذي جلس عليه من سبقه واستشعر جلالة التراث الرابع من ذي القعدة 1351 هـ / 28 فبراير 1933 م، ولم تنته وعظمته ومكانته، والجهد الذي بذله الآباء ليصل إلى الأبناء. بغياب شخصه الطاهر ظُهْرَ الأحد يوم 2 ربيع الآخر 1427 هـ / وجدته مرة ينسخ كتابا مطبوعاً، فرأى علي علامات الاستغراب 30 إبريل 2006 م، بل تظل بإذن المولى نبراسا للأجيال بادية. فقال: هكذا تعلمتُ أن أعرف قيمته. قلت: ولى زمان النسخ. قال: عِنْدَكُم، أما أنا فلا يقطعني عنه إلا أن تكلّ يدي.
الحاضرة واللاحقة.
وإذا تحدثنا عن الأجيال فإنني أكتب اليوم عما هو بيننا ولقد كانت أكثر مطالعاته على هذا النحو، يَنْسَخُ ويقرأ في وبين الشيخ سالم الحارثي، أو بعبارة أدق عما هو بين جيلنا آن، حتى خَبر خُطوط النساخ والعلماء فكان يُميز بينها كما يميز
وجيل الشيخ سالم الحارثي
بين أبنائه وأقاربه
العدد السابع عشر. يونيو 2006
الواحة
22