الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٣١الإباضية في موكب التاريخ
129
الإباضية في ليبيا (1)
يسرني
مقدمة
أن أقدم إليك أيها المسلم الكريم الحلقة الثانية من هذا الكتاب الصغير، الذي سميته "الإباضية في موكب التاريخ"، وفي هذه الحلقة التي أطلقت عليها "الإباضية في ليبيا " أتحدث عن هؤلاء الناس الذين يسكنون الجزء الواقع بين مصر وتونس من الوطن الإسلامي الشاسع، هذا الجزء الذي يسميه الناس اليوم "ليبيا" .. وما ليبيا ومصر وتونس والمغرب والباكستان وتركيا وغيرها مما يقع بينها أو حولها إلا وطن واحد لأمة واحدة، تنتشر على أغلب ثلاث قارات في عظمة وشموخ، رغم الحدود التي افتعلها الاستعمار في زمن الاستعمار، وحافظ عليها الاستغلال، في زمن الاستقلال، ورغم التدويل (1) الذي يدعيه أصحاب المطامع على كُلّ قطعة من هذه القطع، ورغم الشعارات التي تقسم بها السياسة المستغلة وحدة الأمة إلى أمم صغيرة يسهل السيطرة عليها، والتحكم فيها .. وأنا حين أقدم إليك هذا الكتاب الصغير لا أقدم إليك كتاب تاريخ يعنى بتسلسل الحوادث وترابطها، ولا أقدم إليك كتابا يرافق مواكب السلطان يحصي خطواته، أخطاءه، ويفرض حكمه عَلَى الأُمَّة الكريمة؛ وَإِنَّمَا ويبرر أقدم إليك صورًا من حياة الأمة المسلمة في أدوار كثيرة من التاريخ انتزعها من سيرة الفرد العادي، ومن حياة المجتمع الهادئ في بعض الأحيان، وأخذتها من مواطن النضال، وميادين القتال في بعض الأحيان الأخرى، وكل ما أرجوه منك أيها القارئ الكريم، أن تقرأ الكتاب كله، وأن تتغاضى عما فيه من ضعف الأسلوب، أو ركاكة التعبير، أو حدة النقاش، وأن تتعمق إلى الحقيقة التي أقصد إليها والمعنى السامي الذي أرمى إليه، فإن قصر قلمي عن إبلاغ ذلك إليك، فإن ما أهدف إليه من كُل كتاباتي: أن تذوب الفوارق بين الأمة، وأن ترجع هذه الأمة إلى كرامة الإسلام، وأن تعلق أواصرها بالله، فإن العزة الله ولرسوله وللمؤمنين. وَإِنِّي أستغفر الله الخطأ والزلل، وألجأ إليه تعالى أن يعصمني من الشيطان، وأن يطهر من
قلبي بالإيمان من الحقد والحسد والشهوة والغضب .. والعصبية.
علي يحيى معمر
(1) أقصد بكلمة التدويل في هذا الفصل جعل كل قطعة من الوطن الإسلامي الكبير دويلة صغيرة منفصلة عن بقية
الأمة في نظام الحكم والسياسة.