الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٥الركن الرابع
فِي قَاعِدَةِ الصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ فَرْضَ الصِّيَامِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مُنْقَطِع عُذْرُهُ مِنْ جَمِيعِ الأَنامِ، وَقَدَّمَهُ فِي تَرْتِيبِ الْفُرُوضِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ وَاجِبِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الزَّكَاةَ عَلَى الصَّوْمِ فِي تَرْتِيبِ أَرْكَانِ هَذَا الْكِتَابِ؛ إِذْ كَانَتْ مَقْرُونَةٌ بِالصَّلاةِ فِي الْقُرْآنِ وَفِي أَحَادِيثِ الرَّسُولِ الْمُوكَّلِ إِلَيْهِ الْبَيَانُ، وَفَرَضَ سُبْحَانَهُ الصَّوْمَ عَلَى ذَوِي الْفَاقَةِ وَالْأَغْنِيَاءِ لِكَسْرِ شَهْوَةِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ دَابَّةُ الشَّيْطَانِ، وَلِيَعْرِفُوا إِذَا صَامُوا رَمَضَانَ مَا يُقَاسِيهِ ذَوُو الْفَاقَةِ مِنْ شِدَّةِ الْمَجَاعَةِ طُولِ الزَّمَانِ، فَتَسْخُوَ أَنْفُسُهُمْ حِينَئِذٍ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ
عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ لِيُوسُفَ: أَنجُوعُ وَبِيَدِكَ خَزَائِنُ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: أَخَافُ إِذَا شَبِعْتُ أَنْ أَنْسَى أَهْلَ الْجُوعِ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي الصَّوْمِ وَاجِبًا يَتَعَلَّقُ الْعِقَابُ بِتَرْكِهِ، وَهُوَ مَا يَجِبُ لِنَفْسِ الزَّمَانِ كَصِيَامٍ رَمَضَانَ، وَمِنْهُ مَا يَجِبُ لِعِلَّةِ الْحِنْثِ فِي الْأَيْمَانِ كَصَوْمِ الْكَفَّارَاتِ مِنَ الْقَتْلَ وَالظَّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا يَجِبُ بِإِيجَابِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ كَصِيَامِ النَّذْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ تَعَالَى فِي الصَّوْمِ مَسْنُونًا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ