الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٩الرُّكْنُ الثَّامِنُ
فِي الآدَابِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ مُرَاعَاتُهَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ
قَالَ الْمُؤَلِّفُ الله وَرَضِيَ عَنْهُ: لَمَّا أَتَيْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ عَلَى ذِكْرِ الْأَرْكَانِ السَّبْعَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا السُّؤَالُ غَدًا فِي الْمَآبِ، رَأَيْنَا أَنْ نَضُمَّ إِلَيْهِ ثَامِنَا فِي أَدَبِيَّاتِ الأَغْذِيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ آدَابِ اللُّبَاسِ وَالْغَشَيَانِ وَمُعَاشَرَةِ أَصْنَافِ الْبَرِيَّةِ، إِذْ بِتَنَاوُلِ الأَقْوَاتِ تَصْفُو سَلامَةُ الأَبْدَانِ لِعَمَل الطَّاعَةِ، فَيَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ لَا يُهْمِلَ نَفْسَهُ فِي تَنَاوُلِ الأَغْذِيَةِ إِهْمَالَ الْبَهَائِمِ الْمَرْعِيَّةِ، بَلْ يُلْجِمُهَا بِلِجَامِ الْوَرَعِ، وَيَزِنُ شَهَوَاتِهَا فِي الْغِذَاءِ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِقَوْلِهِ: تَايّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَتِ وَاعْمَلُوا صالحا)، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُؤْجَرُ حَتَّى فِي النُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِيهِ أَوْ إِلَى فَمِ امْرَأَتِهِ (3)، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا رَفَعَهَا لِيَتَقَوَّى بِهَا عَلَى عَمَلِ الدِّينِ، مُرَاعِيًا فِي أَخْذِهَا وَرَفْعِهَا شُرُوطَ الرَّفْعِ وَآدَابَهُ بِالْيَقِينِ.
وَإِذَا كَانَتِ النَّفْسُ لا بُدَّ لَهَا مِنْ تَنَاوُلِ الْغِذَاءِ وَقَمْعِ الشَّهْوَةِ الَّتِي هِيَ أَعْدَى الأَعْدَاءِ، رَأَيْنَا أَنْ نَحْصَرَ الْكَلامَ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي خَمْسَةِ نُصُولٍ: أحدها: في
(1) وَفِي نُسْخَةٍ: "أَعْمَالِ الدِّينِ"
(1) الْمُؤْمِنُونَ: (51).
(2) [رواه أحمد، (1487]، وبِلَفْظِ: "وَإِنَّكَ إِنْ تُنْفِقُ نَفَقَةٌ تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا
تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ". متفق عليه.