الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٤فهل جميع هؤلاء المسلمين، الذين ينتسبون إلى مختلف الفرق وهم يؤمنون بربهم، ويعملون صالحاً، يكونون من أصحاب النار؟ لأن ظاهر هذا الحديث يقسم المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة، يلقى اثنين وسبعين منها في النار؟
تحدث كثير من الفقهاء عن ايمان العجائز، وقال بعضهم أن إيمانهن مثلٌ لما يجب أن يكون عليه إيمان المسلم، لأنه إيمان بالله لا يتزعزع، ولا تنال منه الشبه مهما كثرت، وهو في سذاجته وبساطته قوي متين، قيل أن الصحابة سألوا أمرأة بحضرة الرسول
صلى الله عليه وسلم: عن الله فقالت: هوفي السماء، فقال عليه السلام: [دعوها فإنها مؤمنة]. ولم يطلب منهم أن يلقوا عليها محاضرة طويلة في استحالة التحيز والحلول عن الباريء عز وجل، لأن عقلها غير مؤهل لتلقي مثل تلك الأبحاث، فهل هؤلاء العجائز، الهاربات بإيمانهن، العارفات بربهن، القائمات بواجباتهن، المحافظات على دينهن، المجتنبات لما حرم الله، يصرن إلى النار، لأنهن ينتمين إلى واحدة من هذه الفرق التي حكم عليها ظاهر الحديث بالعذاب الأليم. وهل يحتم الإسلام على جميع أتباع الفرق، من رجال ونساء، أن يبحثوا أصول هذه الفرق وعقائدها. حتى يعرفوا الفرقة الناجية ويدخلوا فيها، لكي تشملهم رحمة الله ورضوانه.
أعتقد أن هذا التكليف يعسر عن الطبيعة البشرية، وأن سماحة الإسلام لا تقتضي التكليف بمثل هذا الأمر الشاق، الذي لا يكون في طوق المسلم العادي الذي يؤمن بالله ويراعي ربه في عمله، ويخشى الله ويتقيه في محارمه. وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم [أفلح إن صدق](1) عن الرجل الذي أقسم أن لا يتطوع بشيء فوق الفرائض، مثل عن سماحة الإسلام ويسره، وتقبله لأعمال المؤمن دون تكليف بمباحث الفلسفة، والفروق بين المذاهب.
(1) 1 صحيح الربيع باب في الإيمان والإسلام والشرائع. ص 16