الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٧

تكوّن المذاهب الإسلامية

يخيل لبعض الناس في هذاالعصر، أن تكوّن المذاهب الدينية شبيه بتكون الأحزاب السياسية، يجتمع عدد من الناس تحت زعامة واحد منهم، ثم يضعون لهم مباديء معينة، يتفقون عليها، ويعلنونها للناس، ثم يدعون إليها ويدافعون عنها بما لديهم من حرارة وقوة، والواقع أن الفرق بين تكوّن المذاهب الدينية والأحزاب السياسية شاسع جداً.

تتكوّن الأحزاب السياسية نتيجة ظروف خاصة، وفي أزمنة معينة، تقتضي المطالبة ببعض الحقوق، أورسم الخطوط لسير الدولة، فيتقدم جمهور من شعب أو أمة – بعد الإتفاق على المباديء – إلى المطالبة بها.

أما المذاهب الدينية: فتتكون تكوّنا تدريجيا هادئاً، في أزمنة متطاولة، حسب تولد الأفكار والآراء الجديدة في الحياة، وحسب وقوع الحوادث- والأحداث وعرضها على أصول الشريعة الثابتة- القرآن والسنة والإجماع- لإعطائها حكما شرعياً. سواء كانت هذه الأحكام متعلقة بالعمل أوبالإعتقاد.

إننا نستطيع أن نؤرخ نشوء حزب، تاريخا زمنيا باليوم والشهر والسنة، ولكننا لا نستطيع أن نؤرخ نشوء مذهب ديني بهذا التحديد، لأن تكون المذاهب إنما ينشاء نتيجة لما تجد من أحداث، ويحدث من آراء، قد تطول بينهاالمسافات الزمنية، ثم إن هذه الآراء والأحداث التي تُعرض على أصل من الأصول المعتبرة في الشرع لتعطي حكما معينا، سواء تقاربت في زمنها أوتباعدت، تستغرق وقتاً قد يطول وقد يقصر، ليدرسها المجتهد دراسة كاملة، ويعرضها على الأدلة الشرعية، ويتخذ فيها القرار الصحيح السليم، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث في زمن واحد. لأن الوقائع التي تجدّ في الحياة- سواء كانت متعلقة بالعقل أو التفكير أو العمل-

٤٣ / ١٦٣