الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٧موقف الإباضية من أسواق الجدل
لعل من الصفات التي يمتاز بها الإباضية، أنهم لا يميلون إلى كثرة الجدل، ولا يرتاحون للمناقشة الفارغة، والخصام المتعنت، ولا يشغلون أوقاتهم بترديد الأقاويل، وإطالة الأحاديث، وذلك أن قواعد الدين جعلتهم يؤمنون بقيمة الفكرة لا الكلمة، ويجدون قوة الدليل في العمل لا في القول، ويعرفون أن إقامة الحجة بالسلوك أقوى منها بالدعوى، ولذلك فأنت عندما ترجع إلى أسواق الجدل، ومؤتمرات الكلام في التاريخ الإسلامي الطويل، فإنك تجد الإباضية أقل الفرق كلاماً وأكثرها عملاً، وأخفها حديثاً، وأرجحها إيماناً، وأبعدها عن الدعوى وأدناها إلى الإهتداء.
وعندما انتقلت المناقشات من طور البحث في الحق، والتماس الصواب، وتصحيح العقيدة، إلى طور آخر: هو عقد مجالس للخصام، ومجامع للمناظرة و اللعب بالكلام، والجدل للحصول على لذة الفوز في المعارك البيانية الحامية، التي يقصد منها الظهور أكثرها مما يقصد منها البحث عن الحقيقة، وظهر في أفق الحياة، حياة المسلمين، أولئك النفر الذين يريدون أن يملاؤا الدنيا بالضجيج، ويشغلوا أذهان الناس بالقول.
عندما انتقلت حياة المسلمين إلى هذا الوضع، رجع الإباضية- وقد آمنوا بصحة مذهبهم، وسلامة عقيدتهم، بعد أن محَّصوها وبنوها على الأصول من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم تدخلها بدعة أو خرافة، وعرضوا مختلف المشاكل على الميزان الذي وضعه المشرع الأكبر، قبل أن يشتد اللجاج بالناس- رجع الإباضية إلى أنفسهم يحاسبونها على العمل بما علمت، ويسيرون بها على نور من دين الله، ينشرون ما ثبت عندهم بالدليل الذي لا يحتمل التأويل،