منهج الدعوة عند الإباضية محمد بن صالح ناصر

منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة

الجزء ١ · صفحة ١٩٨

منهج الدعوة عند الإباضية.

وعندما عزم هو وأصحابه على الخروج من البصرة فراراً من جور ابن زياد وظلمه، تشاوروا في تأمير إمام لهم يسيرون في إمرته فاختاروا أبا بلال، وكان عددهم أربعين رجلاً، ولقد سلك في خروجه هذا مسلكاً واضحاً يتسم بالاعتدال ونبذ العنف، فقد كان لا يدين بالاستعراض قائلا: «لا نقاتل إلا من يقاتلنا، ولا نجي إلا ما حمينا».

وللشراء شروط قاسية لا يستطيعها إلا النفوس القوية المؤمنة لأنها قائمة على الفدائية المطلقة، وعلى الأبطال الذين خلصوا أنفسهم من حظوظ الدنيا، وتعلقت قلوبهم بالآخرة، ونظروا إلى الجنة من صفحات سيوفهم، ومن تم كان ينتقي أصحابه قائلاً لكل واحد منهم توعية له على خطورة ما هو مقبل عليه: «إنك تخرج جهاداً في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، لا تريد شيئاً من أن من أغراض الدنيا، ولا لك في الدنيا حاجة، ولا لك إليها رجعة، أنت الزاهد في الدنيا المبغض لها الراغب في الآخرة المجاهد في طلبها، الخارج إلى القتل لا غيره، فاعلم أنك، مقتول، وأنك لا رجعة لك إلى الدنيا، وأنك ماض أمامك لا شيء إلا الحق، حتى تلقى الله، فإن كنت على هذه الحالة، فارجع إلى ماوراءك، فاقض من الدنيا حاجتك ولبناتك، واقض دينك، واستر نفسك، وجد في أمرك، وودع أهلك، وأعلمهم أن لا رجعة لك إليهم، فإذا فرغت بايعتك.» (1)

ويعضد (المبرد) هذه الرواية حيث يؤكد على مسلك الشراء الذي سنه أبو بلال لأصحابه فصار من مسالك الدين عند الإباضية بعده، فإن أبا بلال لقي صديقا له وهو عبد الله بن رباح الأنصاري فقال له:

اين تريد؟»

-1 السير والجوابات، ج 1، ص 236.

-230 -