الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٦كل لذة من! الدنيا. ولم يمل بهم الهوى عن نصرة دين الله ذي الفضل والعلاء. قد طهروا انفسهم في العلانية والسرائر وأصلحوا الله جميع الضمائر. وخطبوا الناس محرضين على القتال فوق المنابر.
قد اضحت أجداثهم بكل الأوطان في حواصل الطيور والديدان. وكانوا لا يخافون من دنو الآجال ولا يتأسفون على مافاتهم من حديث الآمال. بكوا من خشية الله بالغدو والآصال. يستغفرونه بغياهب الأسحار يذكرونه بالعشي والإبكار. يسألونه جائزة القبول والأخلاص والنجاة من أهوال يوم القصاص.
فكم ليلة باتوا على القرآن في تبتل وترتيل وبكاء عويل. يهدونه بصوت أصيل. يجدون تلاوته طعم الزنجبيل. قد اعشوشبت محاني جباههم من طريق المدامع،.، خوفاً من الوعيد، طمعاً في الموعود. سيماهم في وجوههم من أثر السجود.
كلما مروا بآية سخط وجلت قلوبهم. ورجفت بطونهم كأن زفير جهنم مستقر بآذانهم. وصلصلة السلاسل ممنوطة بأخمسهم.
وإذا عرضت عليهم آية رحمة ورضا غشي عليهم من البكاء شوقاً إلى الجنة ونعيمها. كأن دار القدس وسط أبصارهم. حتى علموا أن الجنة تحت السيوف البارقة. ورحمة الله في صكة الأسهم المارقة. فشدوا رحالهم إليها. ووطنوا أنفسهم عليها. فاستقبلوا السيوف برقابهم. وتلقوا الرماح بصدورهم. وردوا الأسهم
برؤوسهم.
قد صار الموت عندهم أعذب من الشهد. والقتل ألذ مِنَ القند. قد باعوا أنفسهم لله على إقامة دينه والجهاد في سبيله وإحياء سنن رسوله .. لا يألون جهدهم في ذلك ولا يخافون في الله لومة لائم. ولا تأخذهم رأفة في دين الله. يرجون تجارة لا تبور. ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله أنه غفور شكور أولئك الذين هداهم فاقتدوا بهداهم. واهتدوا بتقواهم. {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُم أَوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ لا يستوي أصحَابُ النَّارِ وَأَصحَابُ الجَنَّةِ أَصحاب الجنة هُمُ
الفَائِزُونَ. (161)
(161) سورة الحشر: 19، 20.
296 -