الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات للحجري
الجزء ١ · صفحة ١٤٥في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي بالنهروان فيم استجابوا له وفيم فارقوه وفيم استحل قتالهم؟ قال: كنا بصفين فلما استحر القتل بأهل الشام اعتصموا بتل فقال عمرو بن العاص لمعاوية أرسل إلى علي بمصحف وادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك فجاء به رجل فقال بيننا وبينكم كتاب الله ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ﴾ فقال علي: نعم أنا أولى بذلك بيننا وبينكم كتاب الله قال فجاءته الخوارج(1)
(1) المتتبع للمعاني التي استخدمت لأجلها كلمة الخوارج يجدها متباينة ومختلفة، وهذا التباين مرتبط باختلاف المقاصد:
1) … كلمة "الخوارج" في هذه الرواية تعني الذين عارضوا التحكيم الذي جرى بين الإمام علي -كرم الله وجهه- ومعاوية بن أبي سفيان، وهذا المدلول قبله بعض أتباع أهل النهروان لأنهم لم يجدوا في ذلك أي حرج.
2) … فسر الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - كلمة " الخوارج" في الذين قتلوا الصحابي الجليل عمار بن ياسر - رضي الله عنه - ، ومن المعلوم أن عمار بن ياسر قتل يوم صفين.انظر رواية الحاكم ص 220
3) … وجاءت كلمة "الخوارج" في كتب السير عند الإباضية لتحمل معنى الخروج على الظلم والجور الذي مارسه عمال بني أمية وكذلك الخروج على الدين الذي قام به نافع بن الأزرق. فقد ذكر أحد علماء الإباضية هذين المعنيين في فقرة واحدة حيث قال: ".. وكذلك عبيد الله بن زياد وأشياعهم ففارقهم المسلمون وأنكروا جورهم وخطئوا من دان بطاعتهم أو تولاهم أو تولى لهم، فلما كثر الجور واستخفوا الإسلام خرج عليهم المرداس بن حدير فيمن اتبعه فأظهر دين المسلمين ودعا إلى طاعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجاهد الجبابرة على ذلك حتى قتل.. وعلى ذلك تتابعت الخوارج من أهل الحق، فلما خرج نافع ابن الأزرق انتحل الهجرة وسبى أهل القبلة واستحل استعراضهم بالقتل وسماهم بالشرك. وتتابعت خوارج الجور على سبي أهل القبلة وتسميتهم بالشرك. ففارقهم عبد الله بن إباض وأنكر عليهم وبين ضلالهم، والمسلمون معه ممن كان في عصره ومشهور فضلهم وخطئوا الخوارج وبينوا ضلالتهم ولم يرضوا لأنفسهم بالسكوت، وأنكروا عليهم وعلى جميع الجبابرة ومن شايعهم ودان بطاعتهم.."( انظر السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ج2/ص84-85)
4) … وفي هذا العصر فسر الشيخ محمد الغزالي كلمة "الخوارج" في الصحابة رضوان الله عليهم حيث قال: " فقد كان المسلمون بعد تسعة عشر عاماً من بدء الدعوة يُعَدُّون خوارج على القانون! كان المشركون يشمئزون من عقيدة التوحيد، ويبطشون بجميع دعاتها لو استطاعوا !." (انظر السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 196)
5) … وفي هذا العصر أيضاً وصف الأستاذ الشيخ محمد قطب الصحابة بـ " الخارجين " حيث قال:
? … ".. وكان حديث الملأ في ندواتهم حين يتداولون الحديث في شأن هذه الفئة الخارجة عليهم، التي لا تستجيب لتهديد، ولا يثني عزمها إيذاء.."( انظر كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص 72)
? … ".. ستكون الصورة أنها معركة داخلية بين بعض الأفراد الخارجين على النظام، الخارجين على أهليهم وذويهم وأولي الأمر فيهم، وبين السلطة الشرعية التي تقوم بتأديبهم لتستتب الأمور على الوضع الذي كانت عليه قبل ظهور أولئك المشاغبين الناشزين الذين خرجوا على كل عرف مألوف.." ( انظر كيف نكتب التاريخ الإسلامي، ص 79)
6) … والأستاذ سيد قطب وصف أصحاب الكهف والصحابة بـ " الخارجين " حيث قال:
? … ".. وهم يحذرون أن ينكشف أمرهم ويعرف مخبؤهم، فيأخذهم أصحاب السلطان في المدينة فيقتلوهم رجماً -بوصفهم خارجين على الدين لأنهم يعبدون إلهاً واحداً في المدينة المشركة!- أو يفتنوهم عن عقيدتهم بالتعذيب." ( انظر في ظلال القرآن، ج4/ص2264)
? … ".. في حين وقف المجتمع الجاهلي يدفع عن وجوده الذاتي خطر هذا التجمع الجديد الخارج عليه قبل اللقاء في المعركة الحربية.." ( انظر في ظلال القرآن، ج3/ص1558)
7) … وهناك الكثير من الكتاب الذين أعطوا كلمة " الخوارج " معنىً آخر، فمثلاً ابن خلدون اعتبر الصراع لأجل السيطرة والحكم هو صراع بين دولة قائمة وخوارج منازعين لها. وهذا التعريف ينطبق على كل الدول التي تمكنت من الحكم بعد منازعة الدول السابقة لها. وخير مثال على ذلك هو دولة بني العباس التي قامت على أنقاض دولة بني أمية بعد معارك وحروب بدأت من خراسان حيث منبت الدعوة العباسية وانتهت في صعيد مصر حيث مقتل آخر ملوك بني أمية.
فقد قال ابن خلدون ".. فتتجاسر الرعايا على بعض الدعوة في الأطراف ويبادر الخوارج على الدولة من الأعياص وغيرهم.. ولا يزال ذلك يتدرج ونطاق الدولة يتضايق حتى تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز الدولة.."( انظر المقدمة، ص364. وانظر كذلك نحو هذا القول في المقدمة ص 229، 232،334،350، 376)
8) … ويربط ابن خلدون حركة ظهور الخوارج بحركة الكواكب والنجوم، فقد قال: ".. وهذا القران الذي هو قران العلويين ينقسم إلى كبير وصغير ووسط.. والصغير هو اقتران العلويين في درجة برج وبعد عشرين سنة يقترنان في برج آخر على تثليثه الأيمن في مثل درجه أو دقائقه.. والصغير [ يدل ] على ظهور الخوارج والدعاة وخراب المدن.. وبرج السرطان هو طالع العالم وفيه وبال زحل وهبوط المريخ فتعظم دلالة هذا القران في الفتن والحروب وسفك الدماء وظهور الخوارج وحركة العساكر وعصيان الجند.." ( انظر المقدمة، ص417 )
إنه لمن المفيد للقارئ أن يقرأ ما كتبه الشيخ الدكتور فرحات الجعبيري حول معنى كلمة الخوارج وعن الأسماء التي تسمى بها أتباع أهل النهروان وعن الأسباب التي جعلت الإباضية يرفضون المعنى الاصطلاحى لكلمة " الخوارج " في هذا العصر. ( انظر البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ص 48، 52، 54، 56، 57، 60، 82، 88.. )