الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٥تطبيقات القواعد الفقهية
473
لَمْ يُمْكِنْ إِلْحَاقُ مَوْرِدِ التِّزَاعِ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَلَيْسَ جَعْلُ السُّنَّةِ مِنْ مَوَارِدِ الاشْتِرَاكِ بِأَوْلَى مِنْ جَعْلِهَا مِنْ مَوَارِدِ الِافْتِرَاقِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهَا ظُهُرٌ مَقْصُورَةٌ، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي فِي سَفَرِهِ سُنَّةَ الظُّهْرِ مَقْصُورَةً، لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يُصَلِّهَا إِذَا أَتَمَّ الظُّهْرَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، فَإِذَا كَانَتْ سُنَّتُهُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي الظُّهْرِ مَقْصُورَةً خِلَافَ التَّامَّةِ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، وَكَانَ السَّبَبُ الْمُقْتَضِي لِحَذْفِ بَعْضِ الْفَرِيضَةِ أَوْلَى بِحَذْفِ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: لَوْ كُنْت مُتَطَوّعًا لَأَتْمَمْتِ الْفَرِيضَةَ. فَإِنَّهُ لَوْ أَسْتُحِبَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَكَانَتْ صَلَاتُهُ لِلظُّهْرِ أَرْبَعًا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَرْضًا، وَرَكْعَتَيْنِ سُنَّةً.
وَهَذَا لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ لا اله الْمُتَوَاتِرَةِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي فِي السَّفَرِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ: الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْعِشَاءَ وَكَذَلِكَ لَما حَجَّ بِالنَّاسِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَمْ يُصَلِ بِهِمْ بِمِنِّى وَغَيْرِهَا إِلَّا رَكْعَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ عُمَرُ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ. وَمَنْ نَقَلَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ أَوْ الْعِشَاءَ فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا " فَقَدْ أَخْطَاً.
وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِي الْأَصْلِ، مَعَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ التَّحْرِيفِ فَإِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ: أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "أَفَطَرْتَ وَصُمْتُ؟ وَقَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ؟ فَقَالَ: أَصَبْت يَا عَائِشَةُ" فَهَذَا مَعَ ضَعْفِهِ وَقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ، رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم " كَانَ يُفْطِرُ وَيَصُومُ، وَيَقْصُرُ وَيُتِمُّ فَظَنَّ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ أَنَّهَا رَوَتْ الْأَمْرَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ الله وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.