الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٨تطبيقات القواعد الفقهية
476
وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يَكُونُ تَرْكُهَا أَفْضَلَ إِذَا كَانَ الْجُهَّالُ يَظُنُّونَ أَنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، أَوْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، فَتُتْرَكُ حَتَّى يَعْرِفَ النَّاسُ أَنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةً رَاتِبَةً وَلَا وَاجِبَةً. لَا سِيَّمَا إِذَا دَاوَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَيَنْبَغِي تَرْكُهَا أَحْيَانًا حَتَّى لَا تُشْبِهَ الْفَرْضَ.
كَمَا اسْتَحَبَّ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنْ لَا يُدَاوَمَ عَلَى قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهَا، فَإِذَا كَانَ يُكْرَهُ الْمُدَاوَمَة عَلَى ذَلِكَ فَتَرْكُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى مَا لَمْ يَسُنَّهُ النَّبِيُّ له صلى الله عليه وسلم أَوْلَى. وَإِنْ صَلَّاهَا الرَّجُلُ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ أَحْيَانًا، لِأَنَّهَا تَطَوُّع مُطْلَقٌ، أَوْ صَلَاةٌ بَيْنَ الْأَذَانَيْن، كَمَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ، لَا لِأَنَّهَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ
فَهَذَا جَائِزٌ
وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعَ قَوْمٍ يُصَلُّونَهَا، فَإِنْ كَانَ مُطَاعًا إِذَا تَرَكَهَا - وَبَيَّنَ لَهُمُ السُّنَّةَ. - لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ، بَلْ عَرَفُوا السُّنَّةَ فَتَرْكُهَا حَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَاعًا وَرَأَى أَنَّ فِي صَلَاتِهَا تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ، أَوْ دَفْعًا لِلْخِصَامِ وَالشَّرِ لِعَدَمِ التَّمَكُنِ مِنْ بَيَانِ الْحَقِ لَهُمْ، وَقَبُولِهِمْ لَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا أَيْضًا حَسَنٌ. فَالْعَمَلُ الْوَاحِدُ يَكُونُ فِعْلُهُ مُسْتَحَبًّا تَارَةً، وَتَرْكُهُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَبَّحُ مِنْ مَصْلَحَةِ فِعْلِهِ، وَتَرْكِهِ بِحَسَبٍ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَالْمُسْلِمُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُسْتَحَبَّ إِذَا كَانَ فِي فِعْلِهِ فَسَادٌ رَاجِعٌ عَلَى مَصْلَحَتِهِ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِنَاءَ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ لِعَائِشَةَ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكَ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ لَنَقَضت الْكَعْبَةَ، وَلَأَلْصَقْتِهَا بِالْأَرْضِ وَلَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ، بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ"
وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَتَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ لِلْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ، وَهُوَ حَدَثَانُ عَهْدِ قُرَيْشٍ بِالْإِسْلَامِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّنْفِيرِ لَهُمْ،