الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨النقح المسكية
وإن لنا المرباع في كل غارة تكون بنجد أو بأرض التهائم فقام الصحابي حسان بن ثابت، فأجابه، ومن قوله:
بني دارم لا تفخروا إن فخركم يقود وبالا عند ذكر المكارم فحدث التراشق فقالوا: خطيبهم أخطب من خطيبنا، وشاعرهم أشعرُ من شاعرنا، فارتفعت أصواتهم بالحضرة النبوية، والنبي (صلى الله عليه وسلم) ساكت لا يتكلم، ويسمع ما يدور، فنزل قولُ الحقِّ
جلَّ وعلا: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (فلما نزلت هذه الآية الكريمة احتجبَ الصحابي الجليلُ ثابت بن قيس - رضي الله عنه ـ فَلَزم بيته، وقال: أنا خطبتُ يوم المفاخرة وارتفع صوتي عن غيري بحضرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكان - رضي الله عنه - رجلًا جهير الصوتِ يلازمُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يفارقه عندَها يلزمُ بيتَه لا يكاد يخرجُ إلا لأداء المكتوبة، فافتقده النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، فقال - بحضرة أصحابه -: مَن يأتيني بخبر
ثابت؟
فقال رجلٌ مِنَ الأنصار: أنا يا رسول الله، فانطلق هذا الأنصاري فجاءه، فإذا هو في بيته منكس الرأس، فقال له: مالك يا ثابت؟ فرد عليه: شرّ والله فقال له: ما ذاك؟ قال: أتعلمُ بأني رجل جهير الصوتِ وكثيرًا ما يعلو صوتي صوت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد علمت ما نزل في كتاب الله والله ما أحسبُني إلا حُبط عملي، وأني من أهل النار، فيرجعُ الأنصاري إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، ويقول - يا رسول الله -: من أمره كذا وكذا، ويقولُ: كذا وكذا، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) للأنصاري: ارجع إليه، وقل له: لستَ من أهل النار أنت من أهل الجنة يا ثابت، فذهب إليه وأخبره، فقال ثابت: " رضيتُ ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي على رسول الله أبداً "،
(1) سورة الحجرات الآية: 2.
237