النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٨

كِيَّة الخُظَالم

الخطبة الثالثة والخمسون

الأسوة والمحبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)

م الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله الذي أعانَ بفضله الأقدام السالكة، وأنقذ برحمته النفوس السائمة بعث محمدا (صلى الله عليه وسلم) بالرحمة وتجليةِ الكُرب المظلمة الهالكة، ذم الدنيا وأعلم أن سيوف غدرها باتكة، وأعرض عن أهلها إلا العصبة الناسكة، وكيف يُسكَنُ إليها ونوقُ الرحيل باركةً، فالعمل العمل على تقوى خديجة وعائشةَ لا على انبساط المرفهاتِ حُبَابةً وبُوران وعاتكة (1) سَعِد من على نهج طه تصبّر، ورضي بوصف أشعث أغبر وجاءته الدنيا بزخرفها فأدبرَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ)، أحمده على الأمور اللذيذة والشائكة، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ شهادةً للحزن سالية، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله شهادةً للخير، جالبةٌ، وللشر سالبةٌ، اللهم صل وسلم على محمد صلوات وتسليمات متداركة، وعلى الخليفتين الصديق والفاروق وعلى بقية الصحابة الذين هم أناروا الظلم الحالكة؛ أمَّا بعدُ:

و

فيا بني آدم اعتبروا بالسابقين مِنَ الآباء والأمهات والأقربين، وتفكروا في الراحلين، فلعل القلب القاسي يلينُ، وصبوا الدمع على أنفسكم قبل الحلول في رمسكم في بيت التراب ومراتع الدود في بيتِ الوَحشة والغربة في بيت الهوام والظلام؛ فواعجبًا لمن رأى فعل الموتِ بصحبه وسكن الإيمان في قلبه؛ كيف بات مغرورا وغافلا على جنبه وذاهلا عن عيبه وناسيا جزاءه على جرمه وذنبه ومعرضًا عن ربه إلى أربه؟! وكأني به قد سُقي كأس

(1) حُبَابَة وبُوران وعاتكة: مغنيات مشهورات في دولة بني أمية.

(2) سورة الأنبياء الآية: 103.

17