الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٣المتعارف تفضلا من الله تعالى لقوله: وما جعل عليكم في الدين من حرج) (1)، وقوله: علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) (2)، أي لا تطيقونه كما أشار إليه ابن العربي في الأحكام. انتهى المراد من
كلامه بتصرف
ولا يماري عاقل في أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وأن جميع أفعاله عدل لا يوصف شيء منها بالظلم والجور، ولكنه سبحانه أخبرنا بعدم تكليفه إلا بما في وسع المكلفين، فليس لنا أن نتجاوز ذلك فنصفه بما يخالفه
ومن المعلوم أن الله هدى كل أحد السبيل وفتح لكل من شاء أبواب الرشاد، فانحراف الانسان إلى مسالك الغواية ليس بسبب حيلولة القدر بينه وبين الرشد، وإنما هو باستحباب نفسه، كما أخبر الله عن ثمود بقوله: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى (3)، والله يعلم ما اشتملت عليه طوايا الأنفس وحنايا الضمائر، فلا غرو في إخباره عمن أخبر عنه بعدم الايمان مع دعوته
إليه، إذ الخبر إنما هو عما علمه الله من هوى نفسه وميلولة رغبته
وبهذا يندفع الاعتراض الذي تصوره الامام ابن عاشور في دعوة أمثال هؤلاء إلى الحق مع العلم بعدم استجابتهم، ولا داعي إلى ما أجاب به من أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد أحدا بعينه من هؤلاء الذين ماتوا مصرين على الكفر فيخصه بالدعوة إلى الايمان كما صنع
1 - سورة الحج: الآية (78)
2 - سورة المزمل: الآية 200) 3 - سورة فصلت: الآية (17)
- 243 -