الحلقة الأولى
الجزء ١ · صفحة ٢٣معاوية أو من عمرو بن العاص (1). ورضى بالتحكيم وقبل الهدنة، وأمر بايقاف
القتال في الحال
•
وهكذا انتهت هذه الثورة الرابعة إلى هذا الموقف المائع، الذي جعل حق على في الخلافة يتساوى مع حق معاوية، وجعل نصيب البغاة الثائرين من الصواب يساوى نصيب جيش الأمة الذى يدافع عن خلافة شرعية تمت بالشورى، وانعقدت بالبيعة.
وتداعى الذين فطنوا إلى خدعة الهدنة من أصحاب على وحذروه من قبولها، وأخبروه أن قبولها يعنى الشك في خلافته والتنازل عنها. وكانوا مصرين أن الخلافة الشرعية حق لا يتطرق إليه الشك، ولا يجوز فيها الرجوع، ولا تقبل فيها
المساومة. وإذ خطر لعلى أن يستجيب لدعاة الهزيمة من جيشه، والماكرين من عدوه، وأن يشك في نفسه، والحق الذي بيده، ويتنازل عن الشرف الذي أولاه المسلمون، ويساوى بينه وبين أحد عماله فى قضية أخذ فيها عهداً من الأمة، وأخذت منه فيها موثقاً وعهداً. ورضخ الى تحكيم رجال فيما نزل فيه حكم الله.
حين فعل على ذلك، تداعى أولئك الذين لم يرتضوا التحكيم، وحذروا عليا من قبوله. وهم يرون أن معاوية باغ لا حق له، وأن بيعة على قد انفسخت بموافقته على الهدنة ورضائه بالتحكيم، فلم تبق لأحد في أعناقهم بيعة، وليس لأحد عليهم ميثاق. تداعوا إلى أن يعتزلوا جيش على، وركنوا إلى موقع يسمى حروراء فانعزلوا فيه، ينتظرون تجدد الحوادث، واتجاه الأمة فى قضية الخلافة، ويمكن أن يسمى هذا الانعزال عن جيش على: بالثورة الخامسة، ولو أن هذه الثورة الى هذا الحين كانت ثورة سلبية، وموقف أصحابها كان موقف المحايد الذي ينتظر مجرى الأمور، وقد
(1) قال أبو العباس الدياخي في السيرس 45 «وكان معاوية يمنيهم.»