الحلقة الأولى
الجزء ١ · صفحة ٤٣الناجي والهالك من الفروح
ظاهر الحديث الذي سقناه فى افتراق الأمة على اختلاف روايانه، يدل أن اثنتين وسبعين فرقة من المسلمين هالكة جميعاً، وأن فرقة واحدة فقط ناجية، وإذا سلمنا بظاهر الحديث، وقلنا إن المسلمين ينقسمون فعلا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن هذا العدد محصور وموجود فعلا. فهل يحق لنا أن ننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى؟. إن كل فرقة من هذه الفرق، تحتوى على ملابين من المسلمين، لا يعلم عددهم إلا الله، وهذه الملايين تتفاوت فى معارفها وعلمها وعقلها ودينها تفاوتاً لا يضبطه مقياس، ولا يأتي عليه حصر، والطبقة المشتغلة ببحث أصول العقائد، التي اختلفت فيها الأمة. كالقدر، والعدالة الإلهية، وصفات الباري، من كل فرقة قلة ضئيلة جدا.
أما باقى المسلمين وإن كانوا ينسبون إلى مذهب من تلك المذاهب، إلا أنهم لا يعرفون شيئاً عن هذه المباحث العميقة، التي تستدعى كفاءات خاصة، وهـ يقومون بواجباتهم الدينية حسب ما تاقوه، مؤمنين بربهم، مصدقين برسوله عليه السلام وما جاء به جملة وتفصيلا، متقربين إلى الله بأعمالهم، لا تؤهلهم ثقافتهم إلى مناقشة الآيات القرآنية، ودراسة المحكم والمتشابه من الكتاب الكريم، ولا يخولهم تفكيرهم المحدود أن يصلوا إلى تلك المباحث التي يجرى وراءها علماء الكلام. إن العامى من الأشاعرة أو الإباضية أو المعتزلة أو غيرهم، لا يخطر له مطلقاً أن يبحث مشكلة القدر، فهو مؤمن بطبعه أنه لا يقع في الكون إلا ما يريده الله، والعامى من هذه المذاهب ومن غيرها، لا يفهم ماذا تعنى كلمات الذات، والصفات، وهل الصفات عين الذات إلى آخر ما هنالك من المباحث التي تحتاج إلى كثير من الذكاء والعلم.