الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الأولى

الجزء ١ · صفحة ٤٨

-

لا تجمع بعضها إلى بعض ثم تعرض نفسها على عالم يعطيها الحكم المعالوب، ثم إنه هذه الأحكام التي يطلقها المجتهدون على حوادث أز منهم لم يكن الغرض منها إنشاء مذاهب أو تكوين فرق.

إن أولئك الأعلام الذين تركوا في حياة الإسلام هذا الأثر العظيم، لم يكن في حسابهم أن أنما سوف تقلدهم، وتقدس آراءهم، وتنسب إليهم مذاهب، بعد أن جاء محمد صلى الله عليه وسلم، بالمذهب الحق، والصراط القويم.

وتعجز

إنهم كانوا معلمين من الدرجة الأولى، فكانوا يحاولون بما أوتوا من جهد وقوة، أن يوجهوا قلوب الناس إلى الإيمان الحق بالله، والفهم الحق لأسرار الشريعة والعمل الحق بما جاء به الإسلام. فكانوا يفسرون المبهم من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، لأولئك الذين تقصر أفهامهم عن معانيه، مداركهم عن البلوغ إلى مراميه، ويشرحون مقاصد الدين لأولئك الذين تحول المجمة دون معرفتهم لأسرار العربية في فهم الكتاب العزيز. كان أولئك الأعلام معلمين، وهبوا أنفسهم وجهودهم العلم، فكانوا يحرصون على إفادة الناس في كل مجتمع: في المسجد، والشارع، والسوق، لا يكتمون ما آتاهم الله من فضله، ولا يبخلون بما علموا عن طالب علم يجد في طلبه، ولا يبتغون به مكسباً في الدنيا أو جاها عند الناس، ولذلك كانوا حراصاً أشد الحرص أن يكون ما يعلمونه حقاً ثبت لهم بالدليل، وصح عندهم بالبرهان، فإن هداية الناس إلى دين الله، وتعليمهم أسرار شريعته، وتدوير قلوبهم وبصائرهم بنور الله، أفصل القربات عندهم، وأزكى الأعمال لديهم، وأحب الواجبات إلى نفوسهم

ووثق الناس بهم، فكانوا يلتفون حولهم، ويستعمون إلى أحاديثهم. ويسألونهم فيما يعرض لهم من مشاكل، ويستفتونهم فيا ينوبهم من أحداث، ويرجعون إليهم فيما يعتور قلوبهم وعقائدهم وأعمالهم، من وساوس وشكوك، فتكونت