الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الأولى

الجزء ١ · صفحة ٥٣

المذاهب الدينية والمنا العب الفلسفية

هل تتكون المذاهب الدينية كما تتكون المذاهب الفلسفية؟ قد أشرت في أحاديثى السابقة إلى أن بعض السطحيين يظنون أن المذاهب الدينية تتكون كما تتكون الاحزاب السياسية، وأريد هنا أن أنفى وجود الشبه بين المذاهب الدينية والمذاهب الفلسفية، فالمذهب الفلسفي هو آراء بشرية، في قضايا الحياة، أو ما بعد الحياة؛ فكرة بعد فكرة، وقضية بعد قضية، وهي قابلة في أصولها للنقض، وكثيراً ما تبنى تلك النظريات التي يضعها العقل البشرى، على أسس من الوهم الباطل، والنظر الخاطئ، والمعرفة القاصرة.

أما المذاهب الدينية، وإن كونت حصيلة مبادئها تكوينا تدريجيا، فإن هذه المبادئ راجعة إلى أصول واحدة، غير قابلة للنقض أو الخطأ أو البطلان لأن واضعها هو عالم الغيب والشهادة. ومن هذه الأصول الثابتة المنزلة من السماء، تستمد المذاهب اتجاهاتها، وتقتبس أحكام دينها، في عقيدتها وعبادتها ومعاملاتها، وفى نظم حياتها، ونظم حكمها، وموقفها من غيرها من الأديان.

وئيس اختلاف المذاهب في الحقيقة إلا اختلافاً في الفهم والتفسير لمعاني تلك الأصول التي لا تتبدل ولا تتغير، ولا يأتيها البطلان. ولا يوجد مذهب إسلامي يزعم أنه يستمد قواعده من غير تلك الأصول، حتى تلك المذاهب المتطرفة في الاعتماد على العقل. والحقيقة التي يجب ألا يتطرق إليها الجدل، أن الإسلام وهو الدين الذي اختاره خالق الإنسان ليكون النظام الذى يكفل سعادة البشرية في الحياتين، قد قرر كل الأسس التي تنبنى عليها الحياة السعيدة للإنسان، في كل مراحل الزمان، وبما أن كتاباً لا يمكن أن يحوى التفاصيل الدقيقة للحوادث اليومية الجارية، والنظريات