الإباضية في موكب التاريخ: نشأة المذهب الإباضي (الحلقة الأولى) علي بن يحيى معمر

الحلقة الأولى

الجزء ١ · صفحة ٨٠

إنك تستطيع أن تجد ملايين من الصور لملايين من البشر، تطلق ألسنتهم

بكلمة التوحيد، ولكنهم في غير ذلك ليسوا مسلمين، فهل يتم إيمان كل أولئك ويحسبون على الإسلام؟ لو كان هذا الإيمان كاملا كما أراده الله، وكان إيمان هؤلاء الفناء كإيمان أولئك الصناديد الذين يرون أن العمل هو شريطة كمال الإيمان. لكان العالم كله يسير اليوم على شريعة الله. فإن عشرة آلاف من المسلمين -

-

-

عندما كان الإسلام إيمانا وقولا وعملا - استطاعوا أن يهدوا الملايين إلى دين الله بسلوكهم، قبل أن يهدوهم بأقوالهم وأسيافهم، واستطاع أولئك الآلاف القليلة، أن يثبتوا حكم الله قويا مزدهراً في بلاد الله، وإن كان أهلها على غير الإسلام، لأن أولئك القلة كانوا مسلمين حقا بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم. إننى أزعم - وقد أكون مخطئا في هذا الزعم - أنه لم يضر الإسلام، ويهونه في نظر أتباعه، ويجرئ المسلمين على ترك فرائضه، وانتهاك حرماته، وعدم التقيد بشرعه - شيء مثل ما أضر به هذا القول الذى يضفى الإسلام الكامل على رجل ليس له من الإسلام إلا قولة لا إله إلا الله، وتشدق بعض المتفقهين، الذين يستغلون ما حفظوا دون فهم، ويجتهدون لإرضاء العامة والجملة من الماس بتهوين أسباب المعصية لهم، ويد جلون باسم بعض المذاهب، قائلين: إن جهنم لم تخلق لمن يوحد الله، ولو لم يعمل، وأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق، غير فاهم معنى الجملة الأخيره. في أمثال هذه الأساليب التي يقتطعونها عن معانيها، ويخدعون بها الناس عن أنفسهم وعن دينهم وعن ربهم، يضفون عليهم لقب الإسلام، ويسلبونهم العمل الصالح، الذي اشترطه الكتاب الكريم لمن آمن بالله، فلم يرد فيه إيمان غير مقرون بالعمل الصالح والإحسان

هذه قضية ثالثة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية منذ أول الإسلام، وساروا فيها على المنهج الذى كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم، وسار عليه أصحابه رضوان الله عليهم فلم يفرقوا بين القول والعمل، ولم يجزئوا دين الله، ولم يطمعوا