البلاغة
الجزء ١ · صفحة ١٥٠البحث:
لقد سبق أن عرفنا الإنشاء وأنت ترى أن جميع الأمثلة التي قدمناها لك في هذا الدرس إنشائية ذلك لأنها يراد بها إنشاء المعنى ابتداء ولا تقبل الصدق والكذب ولكن إذا تأملت الأمثلة تجد أن القسم الأول يختلف عن القسم الثاني ذلك لأننا في أمثلة القسم الأول نطلب حصول شيء لم يكن حاصلاً وقت التكلم.
ففي المثال الأول من القسم (أ) يطلب منا المولى جل وعز أن نعد للكافرين كلّ ما نستطيع من أنواع القوة، وجاءت كلمة قوة نكرة في الآية الكريمة لتفيد الشمول، وفي الآية الثانية ينهى الله عن الإفساد في الأرض، وفي الآية الثالثة يبين لنا أن الإنسان لن يُترك سدى، وجاءت الآية بصيغة الاستفهام وفيه معنى الطلب، وفي الآية الرابعة يتمنى الكافر أن لو كان اتبع الرسول في الدنيا والتمني كما نعلم هو طلب الأمر المحبوب المستحيل أو الذي يشبه المستحيل، وفي الآية الخامسة نجد أن النداء موجه إلى الرسول والنداء كما تعلم هو طلب الاقبال.
فكل هذه الأمثلة كما ترى يطلب بها حصول شيء لم يكن حاصلاً وقت التكلم ويكون ذلك في الأمر والنهي والاستفهام والتمني والنداء، ويسمى
هذا القسم من الإنشاء بالإنشاء الطلبي، وهو مدار بحث علماء البلاغة أما النوع الثاني وتمثله الأمثلة (ب) فهو كما ترى يختلف عن القسم الأول، إذ لا يستدعى مطلوباً غير حاصل وقت الطلب، ففي البيت الأول من هذا القسم المراد التعجب، فالشاعر يتعجب من طيب ربا نجد وحسن المصطاف والمتربع فيها، وقد استعمل الصيغة القياسية ما أفعله وهناك صيغة قياسية
146