النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٬١٠٣

فقه العمارة في كتاب (القسمة وأصول الأرضين)

د. مصطفى بن صالح باجو

1103

والملاحظ أن شهرته كانت متأخرة، إذ سطع نجمه في أواخر أيامه عند انتقاله إلى أريغ، وفيها كانت وفاته مطلع القرن السادس، وتحديداً في سنة 504 هـ (1).

مكانته العلمية:

نوّهت المصادر التاريخية بمكانة أبي العباس العلمية، وإسهامه في إثراء المكتبة الإسلامية، فضلاً عن نشاطه التربوي والدعوي، بما بوّأه منزلة محترمة ضمن علماء الإسلام بعامة، وأئمة

الإباضية بخاصة.

(2)

ومن إسهامه مشاركته في تأليف ديوان العزّابة، الذي يعتبر من بواكير التأليف الجماعي في التاريخ الإسلامي. وكان له وزنه الاجتماعي في فض المنازعات وحل المشكلات، والحكم في الخصومات. وهو ما أكسبه خبرة ميدانية، وسَعَةً معرفية مَكَّنته من وضع تأليف ناضجة رائدة، وجاء كتابه أصول الأرضين نموذجاً لهذا الرشد العلمي والاجتهادي، يتجلى من خلال تفاصيل الكتاب،

ومادته العلمية الثمينة.

أما أهم نتاجه العلمي، فقد قالت عنه المصادر: ولما دنت وفاته أودع علومه الكتب، فصنف تصنيفات خمسة وعشرين كتاباً، وكتاباً آخر تركه في الألواح» (3).

ويصف الدكتور محمد صالح ناصر قدرة أبي العباس على التأليف ومميزاته بقوله: «الحقُّ أنَّ الدارس عندما يعود إلى مؤلَّفاته الفقهيّة يدرك بجلاء ما يتمتع به أبو العباس من مواهب في التخطيط والتشريع، وما يتحلى به من عقل منظم، وفكر، رصين، فهو إذا ناقش مسألة فقهية ما؛ اهتم بِكُلِّ التفاصيل والجزئيات، ووقف عند جوانب القضية المعالجة موقف الخبير المتبصر، ولا أدلَّ عَلَى ذلك من كتابه القيم الذي يعدُّ بدعاً في الفقه الإسلاميّ قاطبة) (أصول الأرضين). ومن خلال كتابيه «مسائل في التوحيد» و «تبيين أفعال العباد» تتجلى موهبته القوية في الحجاج والمناظرة، واطّلاعه عَلى أصول الفقه وأصول الدين (5).

(1) هذه وجهة نظر الدكتور محمد ناصر محقق كتاب أبي العباس مع الشيخ بكير الشيخ بالحاج، وله تفسيره لهذا الرأي، ينظر مقدمة المحقق، وفيها تفصيل واف عن حياة الفرسطائي وقراءة في مساره العلمي والدعوي. ص 31 فما بعد. (2) ديوان العزَّابة من تأليف سبعة من الأشياخ وهم أبو عمرو النميلي، وأبو عمران موسى، وجابر بن سدرمام، وكباب بن مصلح، وأبو جبير المزاتي، وأبو الله محمد عبد بن مانوج، وأبو زكرياء يحيى بن جرناز؛ ويقع الكتاب في اثني عشر جزءا، وهو من أقدم الموسوعات الفقهية الإسلامية لمزيد من التفصيل ينظر تراجم هؤلاء المؤلفين في: معجم أعلام الإباضية،

قسم المغاربة.

(3) «تركه في الألواح، أي المسودة، وَهُوَ كذلك حتَّى يومنا هَذَا الدرجيني: طبقات، 443/ 2 .. (4) في هذا الوصف بعض التجوز، إذ توجه مؤلفات فقهية سبقت هذا الكتاب، وأخرى لحقته تناولت موضوع العمارة، وأبدعت فيه أيضاً.

(5) مقدمة المحقق د. محمد ناصر لكتاب أصول الأرضين لأبي العباس، ص 41.