النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٤

54

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

فضاء

كما يعطي البارادايم معنى للنظريات التي تتشكل ضمنه وفي الواقع يتيح الفضاء الناتج عن عموم البارادايم لأصحاب النظريات أن يفهم كل منهم كلام الآخر، وأن يدور البحث بينهم في يبتني على مبادئ مشتركة.

من هنا لا بد من اعتبار البارادايم هو العامل الأساس الذي يضفي الروح والمعنى على النظريات، وبدونه ستكون النظريات عبارة عن جمل لا معنى لها، وعبارات غير منطقية؛ وكأنها كلام لم تتم فيه مراعاة قواعد اللغة التي دوّن فيها؛ فلا له سبك منطقي يمكن الحكم عليه، ولا له معنى يمكن نقضه. وعليه، فالبارادايم له أثر كبير في إيجاد النظريات، ودوره أساسي في تشكّل النظرية. ويمكن للنموذج الفكري أن يكون بمثابة الأرض المؤلفة من مجموعة جزر مختلفة هي النظريات، وهذه النظريات تجتمع في أن لها ركيزة واحدة، إلا أن كلاً منها يعالج خصوصية منحصرة فيها.

يمكن لعملية إيجاد وتشكّل النظريات وانتشارها في ظل نموذج فكري محدد، أن يعد بمثابة تاريخ تطوّر علم خاص في فترة زمنية معينة. وهناك مقولتان هما: الترابط الموجود بين النظريات المتباينة - والتي يكون بينها حالة من التنافي والنظريات التي تعمل على نقد وإصلاح بعضها البعض بصورة تاريخية وهاتان المقولتان يمكن دراستهما في قالب معرفة التطوّر الحاصل في كل فترة من تاريخ أي علم.

6 -

عندما يتم تثبيت بارادايم في العلوم الإنسانية - بشكل عام ـ وفي الفقه - بشكل خاص - في حقبة زمنية خاصة يؤدي ذلك إلى تهيئة الظروف المناسبة لوضع نظريات جديدة. وتقوم هذه النظريات - بدورها - بتشكيل قواعد لها، ما يؤدي إلى ظهور عمليات استنباط مختلفة. وقد تأخذ عملية التنظير وجعل القواعد والاستنباط منها زماناً طويلاً، قد يمتد إلى قرون متمادية، يتشكل من خلاله حقبة من تاريخ العلم؛ كالفقه مثلاً. يتيح لنا جعل جميع هذه التحولات - على الرغم من وجود الاختلاف بينها - في مسار واحد هو البارادايم. فهو بمثابة خيط السبحة الذي يجمع الحبات المختلفة ويجعلها إلى جانب بعضها البعض لتؤلف السبحة؛ بحيث إذا تَمَّ سحب الخيط منها سوف تنتفي السبحة كلّها لا أنه ينتفي خصوص النظم فيها، بل ينتفي وجودها من الأساس. فالنموذج الفكري يعمل عمل خيط السبحة، الذي يخرج من قلب النظرية، ثُمَّ يجعل هذه النظرية - من خلال تعيينه موقعية ثابتة لها - ضمن نظام من المعاني المنسجمة والقابلة للفهم.

في إطار ما ذكرناه يمكن القول بأن كل نظرية فقهية يمكنها أن ترتقي حداً تلبس لباس البارادايم الفقهي، وهذا فيما إذا حصلت لها حالة السيطرة والهيمنة الفكرية السائدة، وغير