مصادر البحث في العلوم الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٣٧ومن كتابه هذا يتبين لنا أن ابن جني لم يكن حافظاً ناقلاً وحسب،
وانما كان ذا عقلية منظمة علمية جدلية لا تسلم بالأمر إلا بعد اقتناع ولو صدر عن كبار العلماء فقد سلم مع علماء عصره أن اللغة الهام وتوقيف بادئ الأمر، وما لبث أن غير رأيه بعد تمعن وطول نظر وعمق تفكير. فصرح برأية إن اللغة لا يمكن أن تكون وضعية لأن المواضعة لابد معها من إيماء واشارة بالجارحة نحو الموماً اليه والمشار نحوه، والقديم سبحانه لا جارحة له فيصح الإيماء والإشارة بها منه، وفي هذا المنحى الفلسفي الكلامي العميق بحث كل قضايا النحو والصرف الأخرى ولهذا نراه يقول: إن العلل اللغوية أقرب الى علل المتكلمين منها الى علل المتفقهين «الا ترى الى قوة تنازع أهل الشريعة فيها وكثرة الخلاف في مبادئها، ولا تقطع فيها بيقين، ولا من الواضع لها، ولا كيف وجه الحكمة في كثير مما رأيناه آنفاً من حالها (1) أما عالم اللغة فيجب عليه أن الفكر فيها، ويكاس في
الاجابة عنها.».
(2)
ينعم
ومن ثم يتبين لنا:
أن كتاب الخصائص يقف بموضوعاته اللغوية العميقة، وأسلوبه المنطقي في الجدل وثقة صاحبه في الرواية، والحفظ شامخاً بين كتب اللغة العربية، بل إننا لا نبالغ اذا قلنا إنه يضارع ما يظهر اليوم في الغرب من أبحاث لغوية جادة وعميقة ولن نتبين هذا إلا إذا عكفنا على دراسة موضوعاته دراسة
متأنية
6
(1) الخصائص ج 53/ 1.
(2) السابق ومعنى يكاس، يتحرى الكيس.
- 137 -