المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٩٥

الفصل التمهيدي: الاسْتِشْراق

يعتبر الاستشراق البولوني متأخرًا عن غيره في الدّراسات الجادة من المدارس وذلك رغم بدايته المبكرة مع بعض

الأعلام، لاتصال الشرق بالبولونيين في عهد متقدّم.

لم يكن للبولونين أي مستعمرات، ولا قدرة على ذلك مما جعلها بعيدا عن الأطماع السياسية في الشرق. . الاستشراق البولوني كان نابعا من محبَّة معرفة الآخر والاطلاع على علومه ومعارفه، سواء تعلق الأمر بالبولونيين المسلمين على أراضيها أو بالجيران المسلمين كتركيا وغيرهم.

كان الإسلام قد دخل إلى بولونيا مما يعني أن دراساتهم ليست عن الآخر بقدر ما هي تعرف داخلي ذاتي وبناء للهويَّة البولونيَّة التي تتقاسمها أديان مختلفة من مسيحيّة وإسلام ومعتقدات أخرى. . لم تكن الدراسات البولونيَّة متخصصة في الأديان، فحسب بل كان لها توجه أيضا إلى اللغات اللهجات المحلية وإلى التاريخ، وإلى ترجمة القرآن الكريم.

وبعض

استغلت المدراس الأخرى المستشرقين البولونيين كالمدرسة النمساوية والفرنسية، خدمة لأغراضهم سواء تعلق الأمر بالأبحاث العلميّة أو المعرفة الاستعماريَّة، لذلك نجد العديد من المستشرقين البولونيين يعملون ضمن الجيش

الفرنسي.

• عنايتهم البارزة بالأبحاث حول الإباضيَّة سواء تعلق الأمر بالتاريخ أو العقيدة، ويكاد يكون هذا خاصا بهذه

المدرسة.

وقبل أن نختم هذا الفصل اضطررنا أن نخرج عن المنهج الكلاسيكي الذي اعتمدناه في تقسيم المدارس وهو المنهج الجغرافي، لذكر مدرسة مهمة حديثة النشأة قديمة المنهج، وهي ما يُطلق عليها مدرسة "المراجعون الجدد".

6 مدرسة "المراجعون الجدد": Révisionniste» ظهرت هذه المدرسة حديثا، وعملها يتعلَّق بالعودة إلى مصدريَّة تراث المسلمين، وإلى مراجعة الدراسات الاستشراقية حول الإسلام، ومنها أخذت اسمه. تعتمد هذه المدرسة على مبدأ التشكيك في مصادر الإسلام، وتتبنّي بشكل خاص البحث في موثوقية جمع وتدوين التراث الإسلامي، الذي بحسب هذه المدرسة يكون قد جمع بعد قرن ونصف من نشأة الإسلام، وهو يلخص نظرية أنَّ الإسلام ما هو إلا خليط من أفكار من الديانة اليهوديَّة، ومن مصادر يونانية وسريانية التي تعود إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين، وكل النصوص من سيرة وأحاديث نبوية وقصص وتاريخ ومغازي كانت قد كتبت أو لفقت في عصر الدولة العبَّاسِيَّة التي تمثل الدولة الدّينيَّة، وبإمكانها كتابة التاريخ والسّير وفق أهوائها، حتى السياقات التي برز فيها الإسلام لم تسلم من ذلك، فترى من يشكك في أن مكة والمدينة أو القبلة ليست هي ما نعيشه حاليا بل هي

95